الأردن بقلب معركة الأمن المائي.. العطش يتحول لقضية سيادة وحقوق
الغد-إيمان الفارس
لم تعد المياه في الشرق الأوسط مجرد مورد طبيعي يتراجع تحت وطأة الجفاف، بل أصبحت أحد أبرز محددات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وورقة تتقاطع عندها اعتبارات السياسة والحقوق والاقتصاد والدبلوماسية.
ففي منطقة تعد من الأكثر جفافا بالعالم، تتسارع تداعيات التغير المناخي بالتزامن مع النمو السكاني والضغوط التنموية والصراعات الإقليمية، لتفرض واقعا جديدا لم يعد فيه الحديث عن ندرة المياه شأنا بيئيا فحسب، وإنما قضية ترتبط بحقوق الإنسان وعدالة توزيع الموارد وقدرة الدول على إدارة أحد أهم عناصر بقائها.
وبقلب هذه المعادلة يقف الأردن بوصفه واحدا من أكثر الدول هشاشة مائيا على مستوى العالم، حيث لم تعد التحديات تقتصر على محدودية الموارد، بل امتدت لتعقيدات الإدارة والتشريعات والتمويل والعلاقات الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، قدم تقرير حديث صادر عن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، قراءة تتجاوز السرد التقليدي لأزمة المياه، ليضعها في إطار أشمل يربط بين الأمن المائي والحوكمة والعدالة الاجتماعية، وطرح تساؤلات حول قدرة السياسات الحالية على حماية حق المواطنين في الحصول على المياه بصورة عادلة ومستدامة.
وكشف التقرير، الذي أعده د. علي الحموري والناشطة هلا مراد، ضمن سلسلة تقارير الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعام 2025، أن الأردن يعيش واحدة من أكثر الأزمات المائية تعقيدا على مستوى العالم، إذ لا تتجاوز حصة الفرد السنوية من المياه 100 م3، بينما يبلغ خط الفقر المائي العالمي 500 م3 للفرد سنويا، ما يضع المملكة ضمن أفقر خمس دول مائيا.
ورأى التقرير أن هذا الواقع لم يعد نتاج الطبيعة وحدها، وإنما هو نتيجة تراكمات طويلة فرضتها محدودية الموارد الطبيعية، وتزايد الطلب على المياه، وتسارع آثار التغير المناخي، إلى جانب تحديات الإدارة المؤسسية وتداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
وأشار التقرير إلى أن التغير المناخي لم يعد احتمالا مستقبليا، بل أصبح عاملا مباشرا يعيد رسم المشهد المائي في المنطقة. فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الهطول المطري، وتكرار مواسم الجفاف، أسهمت جميعها في تقليص كميات المياه السطحية والجوفية، الأمر الذي جعل دول المنطقة تدخل مرحلة أكثر حساسية في إدارة مواردها المحدودة.
وفي هذا السياق، تبدو الحالة الأردنية نموذجا مكثفا للأزمة الإقليمية، إذ تتلاقى فيها الضغوط المناخية مع الزيادة السكانية واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، ما يضاعف الضغط على قطاع يعاني أصلا من محدودية الإمكانات.
ولم يكتف التقرير بوصف الواقع، بل وجه نقدا مباشرا لآليات إدارة المياه، معتبرا أن الأزمة تجاوزت حدود شح الموارد لتصبح اختبارا لقدرة الدولة على ترسيخ مبادئ العدالة والشفافية.
وأكد أن التعامل مع المياه بوصفها خدمة عامة فقط لم يعد كافيا، بل ينبغي الاعتراف بها كحق أساسي من حقوق الإنسان، بما يفرض على الحكومات التزامات واضحة في توفيرها وضمان الوصول إليها لجميع المواطنين دون تمييز.
وفي هذا الإطار، استعرض التقرير المرجعيات الدولية التي أرست مفهوم الحق في المياه، وفي مقدمتها التعليق العام رقم 15 الصادر عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة، والذي حدد معايير هذا الحق في التوافر وإمكانية الوصول والقدرة على تحمل الكلفة والجودة والسلامة والمقبولية.
إلا أن التقرير لفت إلى أن الدستور الأردني لا يتضمن نصا صريحا يكفل هذا الحق، وهو ما رآه فراغا تشريعيا يحد من قدرة المواطنين على مساءلة المؤسسات الرسمية عند الإخلال بتوفير المياه أو التفاوت بتوزيعها.
وعلى المستوى الإداري، رسم التقرير صورة لمنظومة مؤسسية تتداخل فيها الاختصاصات بين وزارة المياه والري وسلطة المياه وسلطة وادي الأردن والبلديات، إضافة إلى تدخل القوات المسلحة في بعض الظروف الطارئة.
ورأى أن هذا التشابك الإداري ينعكس على كفاءة اتخاذ القرار ويضعف التنسيق بين المؤسسات، في ظل غياب هيئة تنظيمية مستقلة تمتلك صلاحيات رقابية واضحة، وهو ما يحد من فرص تطوير القطاع وتحسين مستوى الخدمات.
ومن أكثر المؤشرات التي استوقفت التقرير، ارتفاع نسبة الفاقد المائي لنحو 42 % من إجمالي المياه المضخوخة، وهي نسبة تعكس حجم الخسائر الناتجة عن تهالك الشبكات والتسربات والاعتداءات غير القانونية.
وأكد أن استمرار هذا الواقع يعني إهدار كميات كبيرة من مورد نادر، في وقت تنفق فيه الدولة استثمارات ضخمة لتأمين كل متر مكعب إضافي من المياه، الأمر الذي يجعل تقليص الفاقد أحد أهم مفاتيح الإصلاح قبل البحث عن مصادر جديدة.
كما كشف التقرير عن فجوة واضحة في العدالة الجغرافية لتوزيع المياه داخل المملكة؛ فبينما تتمتع العاصمة عمان بتزويد أكثر انتظاما، تعتمد بعض المحافظات الجنوبية على وصول المياه مرة واحدة أسبوعيا، وهو ما يدفع آلاف الأسر في الأرياف والبادية إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة بكلف قد تصل إلى 20 % من دخلها الشهري.
ورأى التقرير أن هذا التفاوت لا يمثل تحديا خدميا فقط، بل يعكس قضية عدالة اجتماعية وتنموية تتطلب مراجعة شاملة لآليات توزيع الموارد.
ولم تغب الفئات الأكثر هشاشة عن التقرير، إذ أوضح أن النساء والفتيات في المناطق الريفية يتحملن العبء الأكبر في تأمين المياه، بما ينعكس على فرص التعليم والعمل والمشاركة الاقتصادية.
كما تناول أثر نقص المياه على الأطفال، خاصة في المدارس التي تعاني من ضعف التزويد المنتظم، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وتعليمية.
وخصص التقرير مساحة مهمة لملف اللاجئين، مشيرا إلى أن الأردن، رغم محدودية موارده، يستضيف أكثر من 1.800 مليون لاجئ، وهو ما فرض ضغوطا إضافية على قطاع المياه.
وبين أن متوسط استهلاك الفرد داخل بعض المخيمات يتراوح بين 35 – 40 لترا يوميا، وهو أقل من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، الأمر الذي يعكس حجم التحديات الإنسانية والخدمية التي تواجهها المملكة.
ولا يمكن فصل الأزمة الأردنية عن محيطها الإقليمي؛ فالمياه في الشرق الأوسط أصبحت جزءا من معادلات السياسة الخارجية والأمن الإقليمي.
وأشار التقرير في هذا السياق، إلى أن إدارة المياه المشتركة في حوضي نهري اليرموك والأردن، ما تزال تخضع لتعقيدات سياسية واختلال في موازين القوى، وهو ما يقلص قدرة المملكة على تأمين حصصها العادلة من الموارد العابرة للحدود.
وفي ظل هذه المعطيات، رأى التقرير أن الدبلوماسية المائية لم تعد خيارا، بل ضرورة إستراتيجية، خاصة مع التوجه نحو الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه للعام 1992، بما يوفر للأردن إطارا قانونيا أكثر قوة للدفاع عن حقوقه المائية.
وأكد التقرير أن التحديات المستقبلية لن تعالج عبر مشاريع البنية التحتية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تحتاج إلى إصلاحات مؤسسية وتشريعية تعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن في إدارة هذا المورد الحيوي.
ولذلك دعا إلى إدراج الحق في المياه ضمن الإطار الدستوري، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة لقطاع المياه، ومراجعة نظام التعرفة بما يضمن حماية الفئات الأقل دخلا، إلى جانب دمج مبادئ العدالة المناخية والاجتماعية في مختلف السياسات الوطنية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتسريع برامج تحديث الشبكات للحد من الفاقد المائي.
إلى ذلك، قدّم التقرير قراءة تتجاوز حدود الأزمة الأردنية لتضعها ضمن سياق إقليمي تتزايد فيه المنافسة على الموارد المائية وتتعاظم فيه آثار التغير المناخي. فالرسالة الأساسية التي يطرحها؛ تتمثل في أن الأمن المائي لم يعد يقاس بحجم الموارد المتاحة فقط، وإنما بقدرة الدول على إدارتها بكفاءة وعدالة، وتحويلها من مصدر دائم للأزمات إلى ركيزة للاستقرار والتنمية.
وفي حالة الأردن، تبدو هذه المعادلة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ فالمملكة لا تواجه فقط تحديات الطبيعة، بل تقف أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحديث منظومة إدارة المياه، وتعزيز أدواتها القانونية والدبلوماسية، وتحقيق التوازن بين محدودية الموارد وتزايد الاحتياجات.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يصبح الاستثمار في الحوكمة الرشيدة والعدالة في توزيع المياه والابتكار في إدارة الموارد الخيار الأكثر واقعية لضمان مستقبل مائي أكثر أمنا واستدامة، ليس للأردن وحده، بل للمنطقة بأسرها.