رفع كفاءة استهلاك الطاقة.. تعزيز لاستثمار الموارد
الغد-رهام زيدان
ما يزال الأردن يواجه تحديات واضحة في رفع كفاءة استخدام الطاقة، في وقت تسجل فيه كثافة الاستهلاك مستويات تفوق المتوسط العالمي، وهو ما ينعكس مباشرة على فاتورة الطاقة الوطنية ويزيد الضغوط على كلفة الإنتاج والاقتصاد المحلي. ويؤكد مختصون أن هذه الفجوة ليست مجرد رقم، بل تعبير عن اختلالات هيكلية في أنماط الاستهلاك وطبيعة القطاعات الاقتصادية.
وبحسب وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور صالح الخرابشة، فإن مؤشر كثافة استخدام الطاقة في الأردن ما يزال أعلى من المتوسط العالمي بنسبة تتراوح بين 20 و25 %، وهو ما يعكس هدرا واضحا في استخدام الموارد الطاقية ويزيد من الأعباء المالية على الدولة.
يشير مؤشر كثافة استهلاك الطاقة إلى حجم الطاقة المستخدمة لإنتاج كل وحدة من الناتج الاقتصادي، وكلما انخفض هذا المؤشر دلّ على كفاءة أعلى في استخدام الطاقة، أي كمية الطاقة التي يستهلكها الاقتصاد لإنتاج وحدة واحدة من الناتج الاقتصادي، فيما تعني كفاءة استخدام الطاقة القدرة على استخدام كمية أقل من الكهرباء أو الوقود في العملية الإنتاجية.
ومثال على ذلك، إذا كانت كثافة استهلاك الطاقة مرتفعة، هذا يعني أن الاقتصاد يستهلك طاقة كبيرة لإنتاج قيمة اقتصادية صغيرة، أما إذا كانت الكثافة منخفضة فيعني أن الاقتصاد يستخدم الطاقة بكفاءة أعلى لأنه ينتج أكثر بطاقة أقل.
كثافة استهلاك مرتفعة تفوق المعدلات العالمية
ويرى خبراء أن هذا الواقع نتج عن مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها هيكل الاقتصاد الوطني، وضعف كفاءة قطاعي النقل والمباني، وارتفاع الفاقد في الشبكات، إلى جانب الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة، فضلا عن تغير أنماط الاستهلاك واتساع الطلب على الكهرباء.
قراءة فنية: المؤشر لا يعكس الاستهلاك فقط
الخبير في شؤون الطاقة الدكتور فراس بلاسمة، أوضح أن انخفاض كثافة استهلاك الطاقة يدل على اقتصاد أكثر كفاءة، بينما يشير ارتفاعها إلى الحاجة لطاقة أكبر لإنتاج القيمة نفسها. وأضاف أن المؤشر لا يقيس حجم الاستهلاك فقط، بل يعكس أيضا طبيعة الهيكل الاقتصادي.
وأشار إلى أن ارتفاع كثافة الطاقة في الأردن لا يعني بالضرورة استهلاكا مفرطا، بل يعكس هيكلا إنتاجيا وخدميا ونقليا أقل كفاءة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، مؤكدا أن التحدي الحقيقي يكمن في توزيع الاستهلاك بين القطاعات والعائد الاقتصادي المتحقق منه.
النقل في الصدارة.. والمباني في المرتبة الثانية
يعد قطاع النقل، وفق بلاسمة، المساهم الأكبر في استهلاك الطاقة، إذ من المتوقع أن يستحوذ على نحو 53 % من إجمالي الاستهلاك النهائي بحلول العام 2030، وفقا للخطة الوطنية الثالثة لكفاءة الطاقة، التي تستهدف تحقيق وفر يصل إلى 2455 جيجاواط ساعة في هذا القطاع حتى العام 2026.
أما قطاع المباني، خاصة السكنية، فيشكل تحديا رئيسا آخر، إذ استحوذ في العام 2018 على نحو 46 % من استهلاك الكهرباء و21.5 % من إجمالي استهلاك الطاقة. ويعزى ذلك إلى التدفئة والتكييف والتسخين وضعف العزل الحراري واستخدام أجهزة أقل كفاءة. ويشير بلاسمة إلى أن تحسين كفاءة المباني يمكن أن يحقق وفرا متوسطه 44 %، إلى جانب خفض ذروة الطلب بنحو 200 ميجاواط.
فجوة في القيمة الاقتصادية لكل وحدة طاقة
يرتبط ارتفاع كثافة الطاقة أيضا، بحسب بلاسمة، بضعف القيمة الاقتصادية المتولدة من كل وحدة طاقة، حيث يذهب جزء كبير من الاستهلاك إلى قطاعات منخفضة الكفاءة الإنتاجية، مثل النقل غير الفعال والمباني ضعيفة الكفاءة، مقارنة باقتصادات تعتمد على التكنولوجيا والخدمات عالية القيمة.
وتستهدف الخطة الوطنية الثالثة تحسين كفاءة استهلاك الطاقة النهائي بنسبة 4.33 % وكفاءة الكهرباء بنسبة 5.44 % بحلول العام 2026، إلى جانب خفض الانبعاثات بنحو 859.74 ألف طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون، ما يؤكد وجود فجوة هيكلية تتطلب معالجة شاملة.
حلول مقترحة: إصلاحات هيكلية لا إجراءات جزئية
يشدد بلاسمة على أن معالجة المشكلة تبدأ بإصلاح قطاع النقل من خلال تطوير نقل عام موثوق، وتطبيق إدارة مرورية ذكية، وتقليل الازدحام، وتحفيز النقل الجماعي. كما يدعو إلى إطلاق برنامج وطني إلزامي لكفاءة المباني، وتشديد كودات البناء، وتحسين العزل الحراري، والتوسع في استخدام السخانات الشمسية وتحديث أجهزة التكييف.
ويؤكد أن كفاءة الطاقة يجب أن تُعامل كسياسة اقتصادية شاملة، وليس كملف قطاعي فقط، خاصة أن الوفر المالي المتوقع من خفض الاستهلاك قد يصل إلى نحو 214 مليون دينار حتى العام 2026.
نقابة المهندسين: ترشيد الطاقة أولوية وطنية
من جهته، أوضح رئيس لجنة الطاقة النقابية في نقابة المهندسين الدكتور محمد طارق البركات أن مؤشر كثافة استهلاك الطاقة يعد مقياسا أساسيا لكمية الطاقة المستخدمة لإنتاج وحدة واحدة من الناتج المحلي الإجمالي.
وأشار إلى أن ارتفاع هذا المؤشر في الأردن يستدعي التعامل معه كأولوية اقتصادية وتنموية، داعيا إلى إطلاق حملة وطنية لترشيد الطاقة، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الاستيراد، ووجود فاقد فني في الشبكات، والاعتماد المرتفع على السيارات الخاصة، وضعف العزل الحراري في المباني.
التكنولوجيا والطاقة المتجددة في صلب الحل
أكد البركات أن خفض كثافة الاستهلاك يتطلب التحول نحو التكنولوجيا الذكية، من خلال تطوير شبكات الكهرباء وتقليل الفاقد وتحسين إدارة الأحمال، إلى جانب تطبيق معايير الأبنية الخضراء وتحديث المباني القائمة.
كما شدد على أهمية تعزيز كفاءة الطاقة في القطاع الصناعي عبر تبني أنظمة إدارة الطاقة الدولية مثل ISO 50001، والتوسع في النقل الكهربائي، وتحفيز استخدام المركبات الكهربائية، وتطوير منظومة نقل جماعي فعالة، إضافة إلى تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
قراءة اقتصادية: نمط استهلاك مرتفع وإنتاجية أقل
الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عايش، أشار إلى أن ارتفاع الطلب على الكهرباء والوقود يعكس نمط حياة أكثر اعتمادا على الطاقة، إلى جانب استخدام أجهزة أقل كفاءة وخسائر في النقل والتوزيع.
وأوضح أن هيكل الاقتصاد الأردني، الذي يعتمد بنسبة تقارب 70 % على قطاع الخدمات، يسهم في هذه المعادلة، إلى جانب وجود صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الإسمنت والتعدين والتكرير.
وبين أن الأردن يستهلك نحو “وحدة وربع” من الطاقة لإنتاج القيمة الاقتصادية نفسها التي تحققها دول ضمن المتوسط العالمي، ما يعني أن إنتاجية الطاقة أقل بنحو 20 %.
السيارات الكهربائية.. عامل جديد في المعادلة
لفت عايش إلى أن التوسع السريع في استخدام السيارات الكهربائية أسهم في زيادة الطلب على الكهرباء، خاصة أن الأردن يعد من الدول التي تشهد نموا متسارعا في هذا القطاع، ما يضيف تحديات جديدة لإدارة الطلب على الطاقة.
ودعا إلى إجراء دراسات تفصيلية لتحديد أسباب ارتفاع كثافة الاستهلاك، سواء كانت مرتبطة بالنمو السكاني والعمراني، أو كفاءة الأجهزة، أو نوع الوقود المستخدم، أو الفاقد في الشبكات، أو حتى التحولات التقنية الحديثة، مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.