الدستور - هلا أبو حجلة
تعكس أحدث البيانات الاقتصادية الصادرة عن المؤسسات الرسمية والدولية استمرار تحسن أداء الاقتصاد ، في ظل مجموعة من المؤشرات الإيجابية التي شملت التجارة الخارجية، والاستثمار، والسياسة النقدية، والاحتياطيات الأجنبية، إلى جانب تحسن ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية بقدرة الاقتصاد على مواصلة النمو رغم التحديات الإقليمية. ويأتي نمو الصادرات الوطنية في مقدمة هذه المؤشرات، إذ ارتفعت بنسبة 7.3 ٪ خلال الثلث الأول من عام 2026 لتصل إلى 2.956 مليار دينار، فيما ارتفعت قيمة المعاد تصديره بنسبة 15.1 ٪ إلى 909 ملايين دينار، لترتفع الصادرات الكلية بنسبة 9 ٪ إلى 3.865 مليار دينار، وهو ما يعكس استمرار توسع النشاط التصديري الأردني وتحسن تنافسية المنتجات الوطنية.
وفي المقابل، انخفضت المستوردات بنسبة 1.5 ٪ لتبلغ 6.559 مليار دينار، الأمر الذي ساهم في تراجع العجز التجاري بنسبة 13.4 ٪ إلى 2.694 مليار دينار، وتحسن نسبة تغطية الصادرات للمستوردات إلى 59 ٪ مقارنة مع 53 ٪ خلال الفترة نفسها من العام الماضي. كما سجلت الصادرات الوطنية إلى دول الاتحاد الأوروبي نمواً استثنائياً بلغ 49.3 ٪ لتصل إلى 218 مليون دينار، بما يعكس نجاح الجهود المبذولة لتنويع الأسواق وتعزيز النفاذ إلى الأسواق العالمية. وفي جانب الاستثمار، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 إلى نحو 2.025 مليار دولار، مقارنة مع 1.619 مليار دولار في عام 2024، محققة نمواً بنسبة 25.1 ٪، وهو أعلى مستوى منذ عام 2017، في مؤشر واضح على تنامي ثقة المستثمرين بالاقتصاد. وتدعم هذه النتائج عوامل أخرى تتمثل في ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، واستقرار السياسة النقدية، وارتفاع رؤوس أموال الشركات الجديدة المسجلة، إضافة إلى استمرار الإصلاحات الاقتصادية، الأمر الذي انعكس على تثبيت التصنيف الائتماني للأردن وتعزيز النظرة الإيجابية للاقتصاد الوطني. وتشير توقعات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الوطني سيواصل مسار التعافي التدريجي، مع نمو متوقع يبلغ 2.7 ٪ خلال عام 2026، يرتفع إلى 2.9 ٪ في عام 2027 ويصل إلى 3 ٪ في عام 2028، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.
الاقتصاد الوطني تصنيف سيادي وترقية ائتمانية
وقال الدكتور حمد عوض النعيمي استاذ مشارك في المالية والمخاطر، يقف الاقتصاد الأردني اليوم عند منعطف لافت، تجلّى بوضوح حين رفعت وكالة موديز تصنيفه السيادي من B1 إلى Ba3 في أيار 2024، في أول ترقية ائتمانية منذ 21 عاماً، استندت إلى رقمنة الخدمات الضريبية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الامتثال الضريبي، وإلى سجل متصاعد من الإدارة المالية الرشيدة.
وتعزّز هذا المشهد بمؤشرات موضوعية لافتة؛ إذ بلغ النمو الحقيقي 2.8 ٪ عام 2025 مع توقعات بـ3 ٪ في 2026، فيما ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية إلى 28.2 مليار دولار بنهاية شباط 2026 بنمو 10.5 ٪، ونمت الصادرات 8 ٪ والاستثمار الأجنبي المباشر 27.7 ٪، وسجّلت بورصة عمان قفزة تجاوزت 45 ٪ لتتصدر البورصات العربية.
وأضاف النعيمي أما القطاع الخاص فقد أدلى بدلوه بوضوح؛ إذ وصل مجموع رؤوس أموال الشركات الجديدة والقائمة إلى قرابة مليار دينار خلال النصف الأول من 2025، فيما تراجعت نسبة الشركات المُشطبة 53 ٪، وهو مؤشر يكشف أن السوق باتت تحتضن المشاريع لا تطردها. التحدي الحقيقي الآن هو ترجمة هذه الأرقام إلى فرص عمل ملموسة وتحسين حقيقي في مستوى معيشة المواطن، وإلا بقيت مجرد إنجازات تُزيّن التقارير ولا تُغيّر الواقع.
المملكة تكيفت مع ارتفاع النفط والضغوط العالمية
من جهته قال الخبير الاقتصادي عفيف سليمان إن المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن المؤسسات المحلية والدولية تعكس درجة متقدمة من الاستقرار والثقة في الاقتصاد الأردني خلال عام 2026، رغم التحديات الإقليمية والضغوط المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية.
وأضاف أن الاقتصاد الأردني أظهر قدرة ملحوظة على التكيف مع ارتفاع أسعار النفط وتباطؤ النشاط الاقتصادي في عدد من دول الجوار، مشيراً إلى أن السياسات الحكومية الهادفة إلى دعم سلاسل التوريد وتعزيز النشاط التجاري مع الأسواق الإقليمية كان لها أثر واضح في تحسين الأداء الاقتصادي.
وأوضح أن نمو حركة الموانئ في العقبة، وارتفاع الصادرات الوطنية، إلى جانب تحسن أداء القطاع الصناعي، تعكس جميعها اتجاهاً إيجابياً في بنية الاقتصاد الوطني، خصوصاً مع تراجع العجز التجاري وتحسن مؤشرات التجارة الخارجية خلال الثلث الأول من العام.
وأشار سليمان إلى أن تثبيت التصنيف الائتماني للأردن عند مستوى (Ba3) مع نظرة مستقبلية مستقرة يعزز من ثقة المستثمرين، ويؤكد متانة السياسة النقدية والمالية في مواجهة التحديات. وختم تصريحه بالتأكيد على أن استمرار المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل مشاريع البنية التحتية والطاقة والربط الإقليمي، من شأنه أن يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويرفع من تنافسية الاقتصاد الأردني على المدى المتوسط والطويل.
استقرار وتعزيز الثقة في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة
بدوره قال المدير العام لمؤسسة شركاء الأردن علي فياض، إن ما يلفت الانتباه في المؤشرات الاقتصادية الأخيرة ليس فقط تحسن الأرقام بحد ذاته، بل الرسالة التي تحملها هذه المؤشرات حول قدرة الاقتصاد الأردني على المحافظة على الاستقرار وتعزيز الثقة في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين. فرفع التصنيف الائتماني، وتحسن توقعات النمو الاقتصادي، وارتفاع الصادرات الوطنية وزيادة الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار تدفقات رؤوس الأموال، إلى جانب ارتفاع رؤوس أموال الشركات الجديدة المسجلة، جميعها مؤشرات أسهمت في تعزيز ثقة مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية، وفي مقدمتها وكالة موديز، بالاقتصاد الأردني. ويعود ذلك إلى استمرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية، والمحافظة على الاستقرار النقدي، ومرونة القطاع المصرفي، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، فضلاً عن الحفاظ على بيئة مؤسسية مستقرة رغم التحديات الإقليمية المحيطة.
أما فيما يتعلق بمعدلات النمو الاقتصادي، فإن الأرقام الحالية والتوقعات للعام المقبل تعكس تحسناً تدريجياً في أداء الاقتصاد الوطني، إلا أن الأهم من تحقيق النمو هو نوعية هذا النمو ومدى قدرته على إحداث أثر تنموي ملموس. فالتنمية الاقتصادية لا تُقاس فقط بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بقدرتها على خلق فرص عمل لائقة، ورفع الإنتاجية، وتحسين مستويات الدخل، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء في النشاط الاقتصادي، وتقليص الفجوات التنموية بين المحافظات. ومن هنا، فإن المحافظة على وتيرة النمو مع تعزيز شموليته واستدامته تبقى التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف فياض كما أن ارتفاع الصادرات الوطنية والاحتياطيات الأجنبية وتدفقات رؤوس الأموال يعكس متانة الاقتصاد الكلي وقدرته على تعزيز مركزه المالي والخارجي. فالصادرات الوطنية تمثل مؤشراً على تحسن تنافسية العديد من القطاعات الإنتاجية، بينما توفر الاحتياطيات الأجنبية عنصر أمان للاستقرار النقدي وتعزز الثقة بالدينار الأردني، في حين تعكس تدفقات رؤوس الأموال استمرار ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني. والأهم هو أن تتحول هذه المؤشرات إلى استثمارات حقيقية وإنتاج أعلى وقدرة أكبر على التصدير والتشغيل، بما يعزز مرونة الاقتصاد ويرفع مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية. وفي السياق ذاته، فإن ارتفاع رؤوس أموال الشركات الجديدة المسجلة يعد مؤشراً إيجابياً على تحسن ثقة القطاع الخاص ببيئة الأعمال، ويعكس استعداد المستثمرين للتوسع واغتنام الفرص الاستثمارية. إلا أن نجاح هذه المؤشرات يقاس بقدرة هذه الشركات على النمو والاستدامة، والتوسع في الإنتاج والتشغيل، وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني، وليس فقط بعدد الشركات أو حجم رؤوس أموالها المسجلة.
وللحفاظ على ثقة المؤسسات الدولية وتحويل هذه المؤشرات الإيجابية إلى نتائج تنموية ملموسة، فإن الأولوية ينبغي أن تتركز على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري من خلال تطوير التعليم والتدريب وربطهما باحتياجات سوق العمل. كما تبرز أهمية توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، القادرة على رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل مستدامة، بالتوازي مع دعم ريادة الأعمال، وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التنمية الاقتصادية المحلية في مختلف المحافظات، بما يضمن أن تنعكس المؤشرات الإيجابية على نمو أكثر شمولاً واستدامة. وأشار فياض في نهاية المطاف، فإن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية تمثل فرصة مهمة لتعزيز الثقة بالاقتصاد الأردني، لكنها ليست الهدف بحد ذاتها. فنجاح المرحلة المقبلة سيقاس بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الثقة إلى استثمارات منتجة، ووظائف نوعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة وشمولاً، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي وأهداف التنمية المستدامة. وتؤكد المؤشرات الاقتصادية المسار الايجابي القائم على تنامي الصادرات وتحسن التجارة الخارجية واستقطاب المزيد من الاستثمارات، إلى جانب الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وهي عناصر من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي والقدرة على مواجهة المتغيرات الإقليمية والعالمية خلال السنوات المقبلة.