البلديات.. محرك التنمية والتغيير*د. ابراهيم بدران
الغد
في لقائه بكتلة اتحاد الأحزاب الوسطية في رئاسة الوزراء للحوار حول مشروع قانون الإدارة المحلية، أكد الدكتور جعفر حسان رئيس الوزراء على «أن تطوير الإدارة المحلية يمثل الاستحقاق الثاني في برنامج التحديث الاقتصادي». وركّز على «دور البلديات في التنمية وأهمية الحاكمية الجيدة فيها وضرورة ايقاف الواسطة والمحسوبية وما يرافقهما من هدر في الموارد وارتفاعات في مديونية البلديات». وهنا لا بد من اعادة قراءة دور البلديات والتي يتجاوز عددها 102 بلدية في جميع محافظات المملكة. ومع التقدير لجهود رؤساء واعضاء البلديات، الاّ ان كثيراً منها لا تزال بعيدة عن موضوع التنمية من جهة، وبعيدة عن التعامل مع المواطنين بشفافية وانفتاح من جهة ثانية، انطلاقا من دورها في تقديم الخدمة وليس التحكم في طالبيها من المواطنين، إضافة إلى غياب النظرة المستقبلية للمدينة أو البلدة والتخطيط لمتغيرات المستقبل من جهة ثالثة. إن الواسطة والمحسوبية التي أشار اليها رئيس الوزراء وما نجم عنها من هدر للمال العام وترهل في الجسم الاداري، انعكست آثارها السلبية على نوعية الخدمة التي تقدمها البلدية، والتي هي اليوم وفي كثير من الأحيان بعيدة عن الكفاءة والعدالة والشفافية وارتفاع كلفتها على المواطن سواء من حيث الوقت أو الجهد.
وحقيقة الأمر أن البلديات في الكثير من الدول تطورت في أعمالها وواجباتها لتمثل نوعاً من الحكومة المحلية المسؤولة عن كافة الخدمات والبنية التحتية، والتي تبذل كل جهد لتحقيق التنمية الاقتصادية من خلال المشاريع التي تقام في البلديات. وتحرص البلديات الناجحة على استثمار خصائص البلدة أو المدينة أو القرى المحيطة بها لتصبح البلدة ومحيطها نقطة جذب «أعمالية» وسياحية والتميز من خلال تمكين أبناء البلدة من إنشاء المشاريع الخاصة بهم. هذا إضافة إلى تطوير النقل الآمن المستقر، والتنظيم الحضري والخدمات البلدية المختلفة. ولا شك أن مشروع القانون الجديد الذي يرفع من مشاركة المرأة في المجلس البلدي لتصبح
30 % من الأعضاء وانتخاب 3 شباب ممثلين عن المنظمات الشبابية قد انصف كلاً من المرأة والشباب، والتي سوف تضيف مشاركتهم في المجالس البلدية قيمة نوعية مهمة. وهنا لا بد من التأكيد على عدد من النقاط وعلى النحو التالي:
أولاً: ضرورة أن تكون المجالس البلدية في كيفية الوصول إلى عضويتها تمثل المرحلة الأولى للديمقراطية الحقيقية والمشاركة المجتمعية من خلال الانتخابات السليمة والبعيدة عن الانحياز او التدخل، وان تقوم وزارة الادارة المحلية ووسائط الإعلام بتوعية المواطنين باتجاه انتخاب الأفضل لتقديم الخدمة بكل مسؤولية ونزاهة.
ثانياً: من المفيد أن تصدر الحكومة «مدونة ممارسة» أو «مدونة سلوك» خاصة بأعضاء المجالس البلدية يتم فيها تبيان الالتزامات الأدبية والأخلاقية والوطنية التي يجب أن يلتزم بها عضو المجلس البلدي سواء من الناحية المهنية أو الإدارية أو السلوكية أو التعاملية، ولا تكون تلك الالتزامات واضحة في النصوص القانونية والتعليمات الإدارية.
ثالثاً: أن تنظم وزارة الإدارة المحلية بالتعاون مع معهد الإدارة والخبراء دورات تأهيلية لأعضاء البلدية المنتخبين لتغطي متطلبات القانون والإدارة والتنمية الاقتصادية وتنظيم المدن ومتطلبات البيئة والمناخ. وكذلك الجوانب الفنية التي يتوقع ان يواجهها عضو البلدية.
رابعاً: إن كثيراً من المدن والبلدات والقرى لدينا تفتقد إلى التنظيم الجيد والمناطق الخضراء والحدائق العامة، كما وتفتقد في تنظيمها إلى الرؤية الجمالية التي لها أهمية كبيرة في استقرار السكان وتنشيط السياحة. ومن هنا فإن هذه المسألة ومن خلال التعاون مع الجامعات ووزارتي البيئة والزراعة يجب ان يكون لها مكانة مهمة لدى المجالس البلدية.
خامساً: إن العديد من البلديات لدينا تقع بالقرب منها مواقع أثرية مهمة، ولكن غالباً ما تترك تلك المواقع على حالها دون عناية ودون انشاء مرافق جميلة ومريحة حولها لتجذب الزوار والباحثين إليها. وهنا لا بد أن تعطي المجالس البلدية أهمية لتلك الأماكن لتصبح نقاط جذب سياحية للسياحة الوطنية والدولية.
سادساً: إن التغيرات المناخية التي تجتاح العالم ونحن منها تضع مسؤولية كبيرة على البلديات لمواجهة تلك التغيرات على النطاقات المحلية. الامر الذي يستدعي اهتمام المجالس البلدية بإنشاء المناطق الخضراء والحصاد المائي والطاقة المتجددة والاستعانة بطلبة المدارس لزراعة الأشجار في مواسمها.
سابعاً: إن الدور الاقتصادي التنموي للبلديات يجب ان يحتل أولوية لدى المجالس ولدى الحكومة في آن معاً. ويبدأ ذلك من خلال عمل البلديات على جذب المستثمرين من المواطنين والأجانب وتقديم الخدمات اللازمة للمشاريع الصغيرة والتعاونيات والمشاريع الريادية الناشئة، ابتداء من قطع الاراضي برسوم مناسبة وانتهاء بالخدمات.
ثامناً: إن كثيراً من المدن والبلدات والقرى الأردنية يتميز اهلها بصناعات وحرف يدوية خاصة ذات قيمة جمالية وتراثية واقتصادية عالية، سواء كانت صناعات غذائية أو فخارية أو فسيفسائية أو ملابس أو غيرها. وهنا على المجالس البلدية أن تستعين بالخبراء لتطوير تلك الصناعات والحرف وتحديث أساليبها والمساعدة في تسويق منتجاتها على المستوى الوطني كمرحلة أولى والمستوى الدولي فيما بعد.
تاسعاً: إن البنية التحتية في كثير من بلداتنا تتطلب الكثير من العناية والرؤية المستقبلية خاصة ما يتعلق بتنظيم الاراضي وتخصيص المساحات للشوارع والحدائق والساحات العامة. ولأن الكثير من البلدات لا زالت في مرحلة النمو فإن الاهتمام بمتطلبات البيئة تصبح ضرورية وتعود بالفائدة على البلدة بأكملها. يشمل ذلك تخصيص مسارات للمشاة ومسارات للدراجات الهوائية او الكهربائية حيثما أمكن، وتخصيص مساحات كافية للمدارس والمراكز الثقافية للمستقبل.
عاشراً: تعزيز التعاون والتشارك مع المجتمع المحلي ومع الشركات والبنوك القريبة من البلدة والإفادة من وجود الجامعات ومراكز التدريب سواء لإنشاء مشاريع جديدة أو لتحسين البنية الجمالية للمدينة أو البلدة. حادي عشر: تدريب موظفي البلديات على الإدارة الرقمية الإلكترونية ليس من منظور فني فقط وإنما من مفهوم إداري تشغيلي يختصر الوقت والجهد والمال على المواطن.
وأخيراً فإن مشروع قانون الادارة الجديد يحمل العديد من الاضافات الجيدة ولكن العبرة في تهيئة البلديات والمجالس البلدية لتنفيذها بشكل يغير فعلاً من حال البلدة وسكانها الى وضع متقدم اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وبيئياً.
إن البلديات هي الخطوة الأساسية نحو اللامركزية، وإن الامكانات موجودة لدينا، ولكن العمل الجاد، والعلم والتشارك، والمساءلة والشفافية، هي نقاط الارتكاز وطريق النجاح.