عواصف غبارية متبادلة تهدد الأراضي الزراعية.. ما الحل؟
الغد-فرح عطيات
اعتادت المناطق الشرقية للمملكة أن تشهد ظاهرة غريبة من نوعها، تتمثل بما يمكن تسميته "تبادل العواصف الغبارية" بين الأردن ودول مجاورة أو بعيدة نسبيا، فبينما تغادر عواصف رملية وغبارية الأراضي الأردنية، عابرة الحدود باتجاه العراق والكويت وإيران، تدخل كتل غبارية أخرى إلى المملكة قادمة من مصر على سبيل المثال لا الحصر، فيما يسعى الأردن لعلاج هذه الظاهرة ضمن مشروع قائم على حلول الطبيعة، وله ارتباط وثيق بالمياه وإدارة الأراضي.
ويحول مسار الغبار الصحراء الأردنية من "مجرد مساحة متأثرة بالظاهرة"، إلى "جزء من منظومة دولية واسعة" تتحرك فيها العواصف عبر الحدود، وتتداخل فيها عوامل الطقس مع الجفاف، وتدهور الأراضي وشح المياه.
بؤر الغبار
وفي مقابلة خاصة لـ"الغد"، تؤكد الباحثة الإقليمية في شأن أنظمة المياه المستدامة والمرنة في المعهد الدولي لإدارة المياه (IWMI) د. مها الزعبي، أن المعطيات تشير الى أن المنطقة الممتدة بين سورية والعراق والأردن تمثل إحدى "البؤر الكبيرة لمصادر الغبار"، حيث يمكن للعواصف القادمة من مناطق مثل دير الزور في سورية أن تمتد باتجاه العراق، فيما يمكن للكتل الغبارية القادمة من المناطق الصحراوية في الأردن، ولا سيما منطقة الأزرق، أن تصل الى جنوب العراق، وتمتد آثارها الى إيران والكويت، ودول أخرى في الإقليم.
ولا تقتصر مصادر الغبار على هذه الدول، إذ يمكن أن تصل كتل غبارية من مناطق أخرى، بينها مصر، الأمر الذي يجعل التعامل مع الظاهرة على المستوى الإقليمي "أكثر أهمية"، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات التصحر في أجزاء واسعة من المنطقة، بحسبها.
على أن العواصف الرملية والغبارية من الظواهر التي بات الأردن "يتأثر بها"؛ والتي تعد جزءاً من "المخاطر المناخية والبيئية" التي تتزايد أهميتها مع ارتفاع درجات الحرارة، وتكرار الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وتدهور الأراضي، تبعا لها.
وتحدث العواصف الرملية والترابية في الأردن عادة من تشرين الأول (أكتوبر) إلى أيار (مايو)، ويميل شهر نيسان (أبريل) إلى أن يكون الفترة الأكثر تكرارا، وفق إحصائيات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية (إسكوا).
الغبار أردنيا
وبالنسبة للأردن، شددت على أن التعامل مع هذه الظاهرة يرتبط بشكل مباشر بـ"أولويات وطنية قائمة بالفعل"، وفي مقدمتها شح المياه، ومكافحة التصحر، وتدهور الأراضي، واستعادة المراعي، فضلا عن تعزيز مرونة القطاع الزراعي، والتكيف مع تغير المناخ، بحسب الزعبي.
وأكدت الزعبي أن الأردن من أكثر الدول "شحاً بالمياه في العالم"، ولذلك فإن إدارة المياه والأراضي يجب أن تكون "جزءاً من الحل"، فالمناطق التي تفقد غطاءها النباتي وتتدهور تربتها تصبح "أكثر عرضة للتعرية بالرياح، وتوليد الغبار".
وتكتسب منطقة الأزرق في الأردن "أهمية" خاصة ضمن عمل المعهد، إذ يجري النظر اليها باعتبارها إحدى المناطق التي تستحق مزيداً من الدراسة، وتحديد البؤر الساخنة فيها، خصوصاً في ضوء العلاقة بين التصحر وديناميكيات العواصف الغبارية العابرة للحدود.
وشددت على أن إعداد خرائط البؤر الساخنة في الأزرق سيسهم في دمج نتائجها مع خطط استخدامات الأراضي، والتخطيط المستقبلي للمنطقة، بما يتيح تحديد المناطق التي يمكن أن تكون "أكثر عرضة" للتدهور، والتصحر، والعواصف الغبارية، وربط ذلك بخطط التنمية المحلية.
تعاون مشترك
وبات التعاون الإقليمي، وفق تأكيدات الزعبي، لمواجهة العواصف الرملية والغبارية "أمراً ملحاً" لكونها عابرة للحدود، ولا يمكن لأي دولة أن "معالجتها بشكل منفرد".
وأكدت الزعبي أيضا، أن الدول المتضررة من العواصف الغبارية تتحمل "تكاليف اقتصادية وصحية كبيرة"، تشمل تأثيرات على الصحة العامة، والنقل، والمنشآت، وقطاعات أخرى مختلفة.
ومن أجل تلك الغاية، دعت إلى الانتقال من التعامل مع "العاصفة بعد حدوثها إلى إدارة المخاطر قبل حدوثها"، من خلال عدة إجراءات، من أبرزها اعتماد الرصد المشترك لمصادر الغبار، وتبادل البيانات بين الدول، وإنشاء أنظمة الإنذار المبكر.
ومن بين الاجراءات، التي اقترحتها كذلك، تحديد بؤر توليد الغبار، والتعاون في إدارة الأراضي والمياه، وتبادل المعرفة حول الحلول التي يمكن تطبيقها في المناطق الجافة.
وهنا تبرز أهمية المبادرات والجهود الإقليمية، بما فيها مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، ودور المركز الوطني للأرصاد في السعودية، والتعاون بين المؤسسات الإقليمية، إضافة إلى الحوار القائم بين الإسكوا والإسكاب لتعزيز التعاون بين غرب آسيا وآسيا والمحيط الهادئ.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالزعبي تشير الى أن المعهد الدولي لإدارة المياه (IWMI) يعمل على ربط مسألة العواصف الغبارية بقضايا المياه والأراضي والمناخ، بدلاً من التعامل معها باعتبارها "مشكلة أرصاد جوية فقط."
ومن خلال مشروع وقاية، الذي ينفذه المعهد في جنوب العراق، وبدعم من مكتب الخارجية والكومنولث والتنمية البريطاني (FCDO)، تتوسع المعرفة بشأن كيفية تولد العواصف الرملية والغبارية، وأسبابها، وما هي الحلول التي يمكن أن تقلل من توليد الغبار من المصدر.
ويركز المشروع على مجموعة من المسارات، من بينها تحديد المناطق الأكثر عرضة للعواصف الغبارية والرملية، ودراسة العوامل الطبيعية والبشرية التي تسهم في تفاقم الظاهرة، الى جانب فهم طبيعتها العابرة للحدود.
لكن الأهم برأيها أن المشروع يختبر حلولاً قائمة على الطبيعة ذات ارتباط وثيق بالمياه وإدارة الأراضي، وذلك بهدف استعادة الأراضي المتدهورة، والحد من تعرية التربة، وتحسين قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.
ونوهت بأن المشروع رغم أنه لا يختص بالأردن إلا أنه يمكن الاستفادة منه في معالجة التحديات ذاتها التي تعاني منها دول أخرى بعيداً عن الظروف المحلية المختلفة، والمتعلقة بشح المياه، وتدهور الأراضي، والتصحر، وتزايد مخاطر الغبار.
كما أن المعهد، بحسبها، ينفذ برامج عمل أوسع في الأردن والمنطقة حول مرونة المياه والمناخ، والحلول القائمة على الطبيعة، وإدارة المياه والأراضي، بما في ذلك مبادرات "المرونة"، و"المرونة بلس"، و"جاهز".
ولفتت إلى أن الأردن يمكنه الاستفادة من هذا النوع من الأدلة لتطوير حلول تتناسب مع المراعي والأراضي الجافة، ومناطق البادية، والمناطق الزراعية المتدهورة، وربطها بأولويات التكيف المناخي، واستعادة الأراضي.