الميثاق المائي 2030 في الأردن.. رهان كبير والتمويل التحدي الأصعب
الغد-إيمان الفارس
يشكّل انضمام الأردن لمبادرة المياه للمستقبل وإطلاق الميثاق المائي الأردني 2030 محاولة جادة لإحداث تحوّل في إدارة واحدة من أعقد الأزمات الوطنية، عبر الانتقال من إدارة شحّ الموارد إلى توظيفها كرافعة للنمو والاستثمار، مستندا إلى إعادة توجيه التمويل الدولي نحو مشاريع مائية كبرى وتعزيز الشراكات والإصلاحات المؤسسية.
وبين فرص الدعم الدولي واتساع الضغوط المائية، يتحدّد مصير هذه الخطوة بمدى القدرة على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة ضمن الإطار الزمني حتى العام 2030، بما يرسّخ أمنا مائيا مستداما ويعيد تشكيل دور القطاع في دعم الاقتصاد والاستقرار.
وهذا التوجّه يتجسّد عمليا بالرهان على مشروع الناقل الوطني بوصفه حلا إستراتيجيا طويل الأمد يوفر مصادر مياه جديدة ومستقرة، بالتوازي مع سياسات تستهدف خفض الفاقد ورفع كفاءة الاستخدام وإعادة هيكلة القطاع لضمان استدامته المالية وتعزيز قدرته على التكيّف مع التغير المناخي والطلب المتزايد. ورغم وضوح المسار الإستراتيجي، فإن تحقيق هذا التحوّل يظل مرهونا بتحديات حاسمة، في مقدمتها فجوة التمويل التي قد تبطئ تنفيذ المشاريع الكبرى، إضافة لمتطلبات الحوكمة الفعّالة واستمرارية الإصلاحات وقدرة المؤسسات على ترجمة الخطط إلى إنجازات على الأرض.
وتقوم فلسفة المبادرة على إعادة توجيه التمويل العالمي نحو الدول التي تواجه تحديات مائية حادة، بما يتيح تسريع تنفيذ مشاريع استراتيجية قادرة على إحداث أثر طويل الأمد، وليس مجرد حلول آنية. وفي هذا الإطار، يبرز الميثاق المائي الأردني 2030 كأداة تنفيذية تهدف لتحويل هذه الرؤية إلى برامج عملية تشمل تطوير البنية المؤسسية، وتحسين كفاءة إدارة المياه، وتقليل الفاقد، وتوسيع الاعتماد على مصادر بديلة، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
إعادة توجيه التمويل
نحو قطاع المياه
وبخصوص انضمام الأردن إلى مبادرة "المياه للمستقبل" وما يرتبط بها من إطلاق "الميثاق المائي الأردني 2030"، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة المياه والري عمر سلامة، أن هذه الخطوة تأتي في إطار توجه دولي ومحلي لإعادة توجيه التمويل نحو قطاع المياه بوصفه أولوية ملحة، خصوصا في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها المملكة.
وقال، في تصريحات لـ"الغد"، إن مبادرة "المياه للمستقبل" تأتي في سياق دولي يهدف لإعادة توجيه التمويل العالمي نحو الدول التي تعاني من شح مائي، مضيفا أن هذه المبادرة "تهدف لتوجيه التمويل العالمي والمؤسسات التمويلية لدعم الدول الفقيرة مائيا وإعطاء الأولوية للمشاريع المائية لمواجهة التحديات وخاصة التغيرات المناخية وتراجع المصادر وازدياد أعداد السكان"، ما يعزز من فرص الأردن باستقطاب دعم إضافي لقطاع المياه.
وأضاف أن انضمام الأردن لهذه المبادرة وإطلاق "الميثاق المائي الأردني 2030" يندرج ضمن جهود وطنية متواصلة لتعزيز أمن المياه، مشيرا إلى أن العمل يجري حاليا على استكمال الإطار النهائي للميثاق.
وتابع أن "ما يجري حاليا إعداد المسودة النهائية والتعديلات على الميثاق، لمواءمة الأولويات الوطنية مع متطلبات التمويل الدولي والمعايير الفنية للمشاريع الكبرى".
وأكد أن الميثاق يشكل إطارا تنفيذيا مهما لتسريع إنجاز المشاريع الإستراتيجية وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني، الذي يعد أحد أبرز مشاريع الحلول الهيكلية لأزمة المياه في الأردن، إلا أن التحديات ما تزال قائمة، موضحا أن "نقص التمويل من أهم المعيقات"، وهو ما قد يؤثر على وتيرة التنفيذ وقدرة القطاع على تحقيق الأهداف المرسومة ضمن الإطار الزمني حتى العام 2030.
ورأى أن أهمية هذه الخطوات لا تقتصر على البعد الفني فحسب، بل تمتد لإعادة ترتيب أولويات الاستثمار في قطاع المياه وتعزيز قدرة الأردن على التكيف مع التغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الموارد، في ظل ما يشهده القطاع من ضغوط متزايدة تتطلب شراكات وتمويلا طويل الأمد لضمان الاستدامة المائية.
مسار مختلف لإدارة المياه
وحول أهمية انضمام الأردن لمبادرة "المياه للمستقبل" وإطلاق "الميثاق المائي الأردني 2030"، أكد الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، أن انضمام الأردن لمبادرة "المياه للمستقبل" وإطلاق "الميثاق المائي الأردني 2030"، يشكلان خطوة متقدمة يمكن أن تضع المملكة على مسار مختلف في إدارة أزمة المياه، في حال تم تنفيذ ما ورد فيهما من التزامات وإصلاحات بشكل فعال ومتكامل.
وأشار إلى أن هذه المبادرة العالمية تهدف لتعزيز الأمن المائي لمليار شخص بحلول العام 2030 عبر بناء تحالف عالمي وشراكات ما بين بنوك التنمية متعددة الأطراف والمؤسسات الإنمائية، ما يوفر للأردن إطارا دوليا داعما للتحول في هذا القطاع الحيوي.
وقال إن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها المائي فقط، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي والتنموي، إذ تهدف المبادرة لتحويل المياه من مصدر للمخاطر إلى عنصر محفز للنمو الاقتصادي وتوفير الوظائف وتعزيز القدرة على الصمود. وأضاف أن ذلك عبر حزمة مترابطة من الإجراءات التي تشمل إصلاح السياسات المائية وتوفير التمويل للمشاريع الإستراتيجية والاستدامة المالية لمرافق المياه وبناء الشراكات مع القطاع الخاص بهدف توسيع وتحسين خدمات وكميات المياه، ما يعكس تحولا بطريقة التعاطي مع قطاع المياه من كونه عبئا خدميا إلى كونه رافعة تنموية.
وبين أن "الميثاق المائي الأردني 2030" يأتي كأداة تنفيذية لترجمة هذه التوجهات على أرض الواقع، خاصة وأن الأردن يعد من أوائل 14 دولة أعلنت عن ميثاقها المائي ضمن هذه المبادرة، لافتا إلى أن الميثاق "تضمن حزمة من المبادرات وأهمها مشروع الناقل الوطني وهو أضخم مشروع إستراتيجي مائي في تاريخ المملكة"، ويهدف لتحلية نحو 300 مليون م3 سنويا من مياه البحر الأحمر (العقبة) ونقلها للمحافظات، إلى جانب تنفيذ حزمة من السياسات والمشاريع الهادفة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل الفاقد المائي وإعادة هيكلة قطاع المياه.
ولفت إلى أن الرهان على مشروع الناقل الوطني يعكس إدراكا رسميا لحجم التحدي المائي ومحاولة لإيجاد حل جذري طويل الأمد، إلا أن نجاح هذا التوجه يبقى مرهونا بقدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات المرافقة، لا سيما تلك المتعلقة بالحوكمة والاستدامة المالية، حيث تهدف المبادرة كذلك لدعم الإصلاحات الرامية لتعزيز عمل المؤسسات الحكومية وتحسين الأداء المالي لها وإعداد مشاريع جاهزة للتمويل والاستثمار، ما يتطلب التزاما حكوميا عاليا واستمرارية في السياسات.
وشدد على أن أحد أهم أبعاد هذا التحول يتمثل بربط الأمن المائي بالأمن الوطني، إذ تعكس هذه التوجهات حقيقة أن "الأمن المائي مرتكز رئيس في الأمن الوطني وهو من القطاعات الرئيسية التي تساهم بتحقيق مستهدفات النمو والتشغيل وزيادة نسب الاستثمار الواردة في رؤية التحديث الاقتصادي"، ما يعزز من أولوية هذا الملف على مستوى السياسات العامة.
ولفت إلى أن تحقيق الأهداف المعلنة بحلول العام 2030 سيواجه عددا من التحديات، أبرزها كلفة المشاريع الكبرى ومتطلبات التمويل المستدام وضرورة تحسين كفاءة الإدارة وتقليل الفاقد، إلى جانب تحديات التغير المناخي والطلب المتزايد على المياه.
وبين في الوقت ذاته أن "العمل في هذا الميثاق من قبل الحكومة سيساهم بالحصول على تمويل خارجي بشروط محسنة تساهم في تنفيذ مشاريع تزويد مائي إضافية خلال السنوات المقبلة وتقليل العجز المالي والدين في قطاع المياه"، ما قد يخفف من حدة هذه التحديات إذا ما تم استثماره بالشكل الصحيح.
وجدد تأكيده على أن هذه الخطوات تمثل نقطة تحول محتملة في إدارة أزمة المياه في الأردن، لكنها تبقى مشروطة بمدى جدية التنفيذ وقدرة الحكومة على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة ضمن الإطار الزمني المحدد، بما يضمن تحقيق أمن مائي مستدام بحلول العام 2030.
وانضم الأردن إلى مبادرة “المياه للمستقبل” التي أطلقها البنك الدولي، وهي مبادرة عالمية تستهدف تعزيز الأمن المائي لمليار شخص بحلول العام 2030، عبر شراكات مع
بنوك التنمية ومؤسسات التمويل الإنمائي لتسريع الاستثمارات في قطاع المياه.
ويأتي هذا الانضمام في إطار توجه أردني لتحويل تحديات شح المياه إلى فرص تنموية تدعم النمو الاقتصادي وتوفر فرص عمل، في ظل كون الأردن من أكثر دول العالم تأثرا بندرة المياه وارتفاع الطلب الناتج عن التغير المناخي والنمو السكاني.
وتشمل المبادرة اتفاقيات تقودها الدول لتحديد أولويات الإصلاح وبناء مسارات استثمارية واضحة، حيث أعلن الأردن ضمن مجموعة من 14 دولة عن مواثيقه الوطنية في هذا الإطار، مع استمرار العمل على مواثيق إضافية.
كما يواكب ذلك مشروع الناقل الوطني الذي يعد أولوية إستراتيجية لتحلية ونقل المياه من العقبة إلى المحافظات، بهدف تعزيز الأمن المائي طويل الأمد وتقليل الضغط على المصادر الجوفية ودعم التكيف مع التغير المناخي.