أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    03-Jun-2026

حرب الخوارزميات.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مشهد الأمن السيبراني؟

 الغد- إبراهيم المبيضين

 تشهد منظومة التهديدات في الفضاء الرقمي والأمن السيبراني تحولا جذريا غير مسبوق؛ بفعل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، والتي أعادت تشكيل طبيعة المواجهة الرقمية من مجرد برمجيات جامدة تعتمد على الأوامر المسبقة، إلى أنظمة ذكية قادرة على التعلم والتكيف واتخاذ القرار، بما يجعلها أكثر قدرة على تجاوز الدفاعات التقليدية، وفقا لخبراء محليين في الشأن التقني.
 
 
ويرى الخبراء أن هذا التحول النوعي يتجلى بوضوح في القفزة الكبيرة التي بلغت نحو 89 % في الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بحسب تقارير تقنية عالمية حديثة، لاسيما مع بروز ما يُعرف بـ”الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI)، بوصفه فئة تهديد جديدة قادرة على التخطيط والتنفيذ الذاتي لحملات تجسس واختراق معقدة ومؤتمتة بالكامل، وهو ما يعني فعليا نهاية مرحلة الاعتماد على التدخل البشري المباشر في إدارة الهجمات السيبرانية المعقدة.
وبحسب الخبراء، فإن الذكاء الاصطناعي فتح الباب أمام المهاجمين، سواء الأفراد أو المجموعات الناشئة، لشن هجمات عالية التعقيد وبتكلفة منخفضة وفي زمن قياسي، الأمر الذي وضع أنظمة الدفاع التقليدية أمام مأزق حقيقي، وأجبرها على تقليص زمن الاستجابة إلى الحد الأدنى الممكن.
ورغم ذلك، يشير الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل فقط أداة هجومية، بل يشكل في الوقت ذاته “ترس الدفاع الأقوى” في مواجهة هذه التهديدات، إذ لا يمكن مجابهة الهجمات الذكية إلا بذكاء مضاد. وفي هذا السياق، يستحضر الخبراء المثل القائل “لا يفل الحديد إلا الحديد”، في إشارة إلى ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات الدفاعية، بما يتيح تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ معدودة، وتحويل الإستراتيجية الأمنية من رد فعل إلى دفاع استباقي يعيد التوازن إلى ساحة الصراع الرقمي.
وفي هذا الإطار، أوصى الخبراء بضرورة بناء منظومة دفاع سيبراني مستدامة تتجاوز الحلول التقنية السطحية، لتصل إلى عمق الحوكمة والسيادة الرقمية، خصوصا في المؤسسات الكبرى والقطاعات الحيوية. وشددوا على أهمية تبني أطر حوكمة صارمة تضمن أمن نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة ومراقبة ثغراتها بشكل دوري، إلى جانب الاستثمار المكثف في العنصر البشري عبر التدريب والتأهيل المستمر، باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الأمن السيبراني، نظرا لكونه الهدف الأول لعمليات الخداع والهندسة الاجتماعية.
الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى ساحة المعركة السيبرانية
ويرى خبير الأمن السيبراني الدكتور عمران سالم أن الذكاء الاصطناعي غادر مرحلة المختبرات النظرية ليدخل بقوة إلى ساحة المعارك السيبرانية الفعلية، بوصفه أداة هجومية رئيسة في يد القراصنة.
ويقول سالم: إن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في ارتفاع وتيرة الهجمات، بل في التحول النوعي نحو ما يسمى “الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI)، والذي يمثل قفزة كبرى في عالم الهجمات الرقمية، إذ يسمح بانتقال المهاجمين من برمجيات تقليدية إلى أنظمة مستقلة ذاتيا قادرة على التخطيط والتكيف واتخاذ القرار الفوري دون تدخل بشري.
ويضيف أن هذا التطور يمنح الهجمات سرعة فائقة وقدرة عالية على التخفي، مقارنة بما كان يعرف سابقا بـ”عصر الهاكر البشري”، وهو ما يجعل مهمة فرق الدفاع السيبراني أكثر تعقيدا وصعوبة.
كما يشير سالم إلى أن الذكاء الاصطناعي ساهم في توسيع نطاق الاستهداف السيبراني، من خلال تطوير أدوات متقدمة في الخداع والتمويه، أبرزها منصات “التزييف العميق كخدمة” (Deepfake-as-a-Service)، والتي تمكن المهاجمين من محاكاة الأصوات والهويات الرقمية لكبار المسؤولين بدقة عالية وفي الوقت الفعلي، ما أدى إلى ارتفاع كبير في نجاح عمليات الاحتيال والهندسة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT أصبحت تمثل سلاحا ذا حدين، إذ يستخدمها المهاجمون في توليد برمجيات خبيثة متقدمة، وصياغة رسائل تصيد احترافية خالية من الأخطاء اللغوية التقليدية، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة.
ورغم هذا التهديد، يؤكد سالم أن الذكاء الاصطناعي يشكل أيضا “ترس الدفاع الأقوى”، إذ تعتمد الأنظمة الحديثة على تقنيات التعلم الآلي في مراقبة وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي، والتنبؤ بالسلوكيات الشاذة قبل وقوع الاختراق، فيما تتيح أنظمة الأمن الذكية أتمتة الاستجابة للحوادث وعزل الأنظمة المصابة خلال أجزاء من الثانية.
ويضيف أن هذا التطور يعوض نقص الكوادر البشرية ويقلل زمن الاستجابة بشكل كبير، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن المهاجمين يتبنون هذه التقنيات بوتيرة أسرع من المؤسسات الدفاعية.
تهديد يتجاوز التقنية إلى الهوية الرقمية
من جانبه، يرى خبير حوكمة البيانات والتحول الرقمي الدكتور حمزة العكاليك أن العالم يعيش اليوم منعطفا تاريخيا يعيد تشكيل مفاهيم الأمن القومي والمؤسسي، حيث لم يعد الفضاء السيبراني مجرد بيئة لتبادل البيانات، بل تحول إلى ساحة حرب رقمية صامتة تستخدم فيها أدوات تفوق التصور التقليدي.
ويؤكد العكاليك أن الهجمات لم تعد مجرد شيفرات برمجية، بل أصبحت كيانات ذكية قادرة على التعلم والتكيف والمناورة بسرعة تفوق القدرات البشرية، ما يشكل “تسونامي رقمي” يفرض إعادة هندسة كاملة لمنظومة الأمن السيبراني.
ويشير إلى أن تقارير حديثة توضح أن زمن الاختراق انخفض إلى أقل من 29 دقيقة في المتوسط، وفي بعض الحالات إلى 27 ثانية فقط، وهو ما يعكس حجم التسارع الذي فرضه دمج نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوات المهاجمين.
كما يلفت إلى أن أكثر من 30 % من هجمات انتحال الشخصية عالية التأثير باتت تعتمد على تقنيات التزييف العميق، في حين تم رصد أكثر من 300 ألف حساب مسرب لـChatGPT في الأسواق السوداء، تُستخدم في بناء هجمات هندسة اجتماعية دقيقة للغاية تعتمد على معرفة تفاصيل شخصية وسلوكية عن الضحية.
ويحذر العكاليك من أن هذا التطور يضع العالم أمام تحدٍ أخلاقي وتقني غير مسبوق، نظرا لقدرة المهاجمين على استغلال بيانات المحادثات السابقة لتوليد هجمات مخصصة يصعب اكتشافها.
ورغم هذا المشهد المعقد، يرى العكاليك أن الذكاء الاصطناعي الدفاعي يمثل بارقة أمل حقيقية، إذ يمكنه تحليل مليارات السجلات في ثوانٍ واكتشاف الأنماط الشاذة قبل وقوع الهجمات، معتبرا أن المستقبل يتجه نحو أنظمة تعتمد على الثقة الصفرية (Zero Trust) المعززة بالذكاء الاصطناعي، حيث يتم التعامل مع كل طلب وصول باعتباره تهديدا محتملا يتطلب تحققاً مستمراً وديناميكياً.
بين التهويل والواقع
في المقابل، يلفت خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش إلى ضرورة التعامل بحذر مع بعض الأرقام المتداولة حول حجم الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن جزءا من هذه البيانات يتم طرحه خارج سياقه التقني أو دون منهجية توثيق دقيقة، ما قد يؤدي إلى تضخيم الصورة الإعلامية.
ويؤكد البطش أن الذكاء الاصطناعي غير شكل التهديدات السيبرانية بشكل فعلي، لكنه في الوقت ذاته عزز قدرات الدفاع والحماية بصورة غير مسبوقة، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا من مجرد الحديث عن “انفجار في الهجمات”.
ويضيف أنه لا توجد حتى الآن جهة دولية موحدة، مثل الأمم المتحدة أو المنتدى الاقتصادي العالمي، قدمت أرقاما عالمية دقيقة بشأن نسب الزيادة في الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، رغم وجود مؤشرات على ارتفاع استخدامها في التصيد الاحتيالي والتزييف العميق والهندسة الاجتماعية.
وفي المقابل، يشير إلى أن كبرى شركات الأمن السيبراني تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل مليارات السجلات، ورصد السلوكيات غير الطبيعية، وتقليل زمن الاستجابة، ومنع الاختراقات بشكل استباقي.
وعن تأثيرات هذا التحول في الأردن والمنطقة، يوضح البطش أن التوسع في الخدمات الرقمية، مثل الحكومة الإلكترونية والدفع الإلكتروني والحوسبة السحابية، يجعل الأمن السيبراني جزءا من الأمن الاقتصادي الوطني، ما يفرض تطوير البنية التشريعية ورفع الوعي المجتمعي وبناء كوادر متخصصة.
ويختتم بالتأكيد على ضرورة تحديث قوانين الجرائم الإلكترونية لتشمل مخاطر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، وإنشاء منصات وطنية لرصد التهديدات الذكية، إلى جانب تبني الشركات لأنظمة حماية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتوعية الأفراد بضرورة التحقق من المحتوى الرقمي وتفعيل المصادقة الثنائية كخط دفاع أساسي.