الغد-إيمان الفارس
في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو إدارة مبتكرة ومستدامة لمياه الأمطار، يبرز دور سلطة وادي الأردن كفاعل محوري في ترسيخ هذا التوجه داخل المملكة، من خلال تبني سياسات ومشاريع تعزز من كفاءة استثمار الموارد المائية وتدعم التكيف مع تحديات التغير المناخي.
وتعمل السلطة على تعزيز البنية التحتية المائية، ولا سيما مشاريع السدود وحصاد المياه، بما ينسجم مع الرؤى الوطنية الهادفة إلى تحقيق الأمن المائي واستدامته، وفق مقاربة تجمع بين التخطيط العلمي والتنفيذ العملي.
وفي هذا السياق، أكد خبراء في قطاع المياه، لـ"الغد"، أن الأردن يشهد تحولا تدريجيا في إدارة مياه الأمطار، من مجرد وسيلة تقليدية للتخزين إلى مفهوم أكثر شمولية يقوم على الحصاد والاستخدام والتكامل مع الطبيعة.
فوفق تحليلات الخبراء، لم تعد الحلول الهندسية التقليدية كافية بمفردها، بل باتت الحاجة ملحة لاعتماد مقاربات تجمع بين التقنيات الحديثة والحلول القائمة على الطبيعة، بما يعزز من كفاءة الاستفادة من كل قطرة ماء.
وانطلاقا من هذا التوجه، تأتي تصريحات الأمين العام لسلطة وادي الأردن م. هشام الحيصة لتؤكد هذا المسار، حيث أشار خلال جولة ميدانية في محافظات الجنوب إلى أن هذه التحركات تأتي ضمن خطة وطنية متكاملة تهدف إلى تعزيز مصادر المياه والحماية من الفيضانات، من خلال دراسة المواقع المقترحة لإنشاء سدود جديدة، وتعكس هذه الخطوة توجها عمليا نحو تحويل مياه الأمطار إلى مورد إستراتيجي يسهم في دعم التنمية الزراعية والاقتصادية، ويعزز من القدرة التخزينية للمملكة.
وفي قراءة أوسع، رأى المختصون أن هذا التوجه يتماشى مع المفاهيم الحديثة التي يطرحها مؤتمر IWA 4 RWHM 2026، والتي تربط بين المياه والمناخ والثقافة، حيث لم يعد حصاد مياه الأمطار مجرد إجراء تقني، بل أصبح نهجا تكامليا يشمل البعد البيئي والمجتمعي، مشيرين إلى دور دمج هذا النهج مع السياسات الوطنية، في تعزيز قدرة الأردن على مواجهة التحديات المائية المتفاقمة.
وبينما تمضي سلطة وادي الأردن في تطوير مشاريعها الميدانية وتعزيز بنيتها التحتية، تتأكد الحاجة إلى نهج تكاملي يجمع بين التخطيط الوطني والرؤية العالمية، وبين التكنولوجيا والمجتمع، بما يحول مياه الأمطار من مورد مهدور إلى عنصر فاعل في تحقيق الأمن المائي المستدام، ويضع الأردن في موقع متقدم على خريطة الابتكار في إدارة المياه إقليميا.
ركيزة إستراتيجية
انطلاقا من هذه الرؤية العالمية، أكدت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه م. ميسون الزعبي، أن الأردن يتجه بجدية نحو تحويل حصاد مياه الأمطار من "إجراء طارئ" إلى "ركيزة إستراتيجية"، مستفيدا من الحلول القائمة على الطبيعة والابتكارات المحلية التي تتماشى مع التوجهات العالمية التي يطرحها مؤتمر IWA 4 RWHM 2026، خاصة فيما يتعلق بربط المياه بالمناخ والثقافة.
وقالت الزعبي إن ما يقارب 93 % من الأمطار السنوية في الأردن، والبالغة 8.5 مليار متر مكعب، يفقد بسبب التبخر، مشيرة إلى أن تجميع مياه الأمطار من أسطح المنازل يمكن أن يغطي ما بين 4.5 % إلى 8 % من إجمالي احتياجات المياه المنزلية في محافظات المملكة، مع إمكانية ارتفاع هذه النسبة في المرتفعات الشمالية مثل إربد وعجلون وعمان، حيث تزداد معدلات الهطول، وقد تصل في بعض السنوات الممطرة إلى نحو 22 % من الاحتياجات المنزلية.
وأضافت أن موسم الأمطار
2026-2025 شهد أداء استثنائيا، حيث بلغت كميات الهطول نحو %95 من المعدل الموسمي، فيما جمعت السدود ما يقارب 150 مليون متر مكعب، ما رفع سعتها التخزينية إلى ما بين 75 % و80 %، وهو مستوى يوصف بالممتاز.
وبينت أن سلطة وادي الأردن تمتلك مشاريع لحصاد المياه بسعة إجمالية تبلغ 128 مليون متر مكعب، في وقت بلغت فيه مشاريع الجنوب أقصى سعتها التخزينية.
وأوضحت أن الأردن يشهد تطبيقا لتقنيات التكيف، بما في ذلك تجميع مياه الأمطار من أسطح المنازل ومعالجة المياه الرمادية، إلى جانب تنفيذ مشاريع مشتركة بين وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة لإنشاء وحدات تجميع في عدد من المحافظات، دعما للمزارعين وتعزيزا لكفاءة استخدام المياه.
وأكدت أن الإستراتيجية الوطنية للمياه 2040-2023 تولي أولوية لحصاد مياه الأمطار، من خلال تقديم منح سنوية لتشجيع إنشاء خزانات، إلى جانب دعم مشاريع ممولة من صندوق المناخ الأخضر، أسهمت في إنشاء آلاف الخزانات، وخفض كلف المياه المنزلية ومياه الري بنسبة تصل إلى 60 %.
وتابعت أن اختيار عمان مقرا إقليميا لــ"صندوق المناخ الأخضر"، يشكل إنجازا إستراتيجيا يعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي للعمل المناخي، ويسهم في تسريع تنفيذ المشاريع وزيادة فعالية التمويل والدعم الفني، لا سيما في القطاعات الحيوية كالزراعة والتكيف مع تغير المناخ.
ولفتت إلى استمرارية مواجهة القطاع نقصا في الموارد المالية اللازمة لتطوير تقنيات جديدة، وضعفا في التنسيق بين الجهات المعنية لتبني رؤية موحدة لحصاد المياه، إلى جانب التحديات المرتبطة بتغير المناخ، من حيث تراجع الهطول وارتفاع معدلات التبخر.
وشددت على أهمية تبني أساليب متكاملة لحصاد مياه الأمطار، تجمع بين الحلول الهندسية التقليدية والحلول القائمة على الطبيعة، مشيرة إلى أنها خيار عملي وضروري.
وقالت إن هذه الأساليب، المعروفة بالبنية التحتية الخضراء، تعزز تغذية المياه الجوفية وتقلل من الفيضانات وتحسن جودة المياه بشكل مستدام، موضحة أن التكامل مع التكنولوجيا الحديثة يتيح تطوير ما يعرف بالبنية التحتية الزرقاء، التي تعتمد على التقنيات الذكية والنماذج الهيدرولوجية للتنبؤ بالأمطار وإدارتها، في حين تركز الحلول اللامركزية على تمكين المجتمعات من إدارة مواردها عبر أنظمة صغيرة ومتوسطة الحجم.
وأكدت أن هذه المقاربات تتجاوز مجرد الاحتفاظ بالمياه لتشمل إدارة دورة المياه بشكل كامل، ما يجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، لافتة إلى أن التحول من مفهوم "التصريف" إلى "الحصاد والاستخدام" يمثل نقلة نوعية في إدارة المياه، من خلال تطبيق تقنيات مثل الأسطح الخضراء والأرصفة النفاذة وحدائق المطر وأنظمة التخزين.
وأشارت إلى دور هذه الحلول في المساهمة بتعزيز الأمن المائي، والحد من مخاطر الفيضانات، وتخفيف الضغط على شبكات الصرف، وتحسين التوازن البيئي، إلى جانب كونها فعالة من حيث التكلفة على المدى الطويل.
وبينت أن تطبيق هذه الحلول يواجه تحديات، من بينها ضعف الالتزام بتركيب أنظمة الحصاد رغم إلزاميتها، وارتفاع تكلفة الخزانات، حيث يفتقر نحو 46 % من السكان إلى هذه الأنظمة، إضافة إلى الحاجة إلى معالجة أولية لضمان جودة المياه، وخسائر التبخر المرتفعة في السدود.
وشددت على أن تطوير إدارة مياه الأمطار في الأردن يرتبط بمدى القدرة على تبني نهج تكاملي يدمج الطبيعة بالتكنولوجيا والمجتمع، ويحول مياه الأمطار من مورد مهدور إلى عنصر فاعل في تحقيق الأمن المائي والاستدامة.
السدود ركيزة لإدارة المياه
وفي قراءة للواقع المحلي، أكد خبير المياه الجوفية والسدود د. إلياس سلامة، أن الحصاد المائي في الأردن يتم على مستوى مرتفع من خلال بناء السدود، مشيرا إلى أن هذا النهج يمثل الركيزة الأساسية التقليدية في إدارة مياه الأمطار في المملكة.
وقال سلامة إن الاتجاه الذي يبرز اليوم، رغم جذوره القديمة، يقوم على الاستفادة من مياه الأمطار لحظة هطولها وفي أماكن تواجدها، وهو ما يعرف بمفهوم حصاد المياه، واصفا إياه بأنه أسلوب قديم جديد يعاد طرحه في سياق التوجهات العالمية الحديثة، ومنها ما يطرحه مؤتمر IWA 4 RWHM 2026 من ربط بين إدارة المياه والمناخ والثقافة.
وأضاف أن الفائدة الكبرى من هذا التوجه لا تكمن في تطبيقات عامة موحدة، بل في إجراء دراسات مستفيضة لكل موقع على حدة، بحيث يتم تصميم أنظمة الحصاد وفقا للخصائص الهيدرولوجية والبيئية لكل منطقة، الأمر الذي يعزز كفاءة الاستفادة من مياه الأمطار ويحد من فاقدها.
وأشار إلى إمكانية تطبيق هذا النهج في المساهمة بإضافة كميات من المياه إلى المصادر المتاحة حاليا، إلا أنه شدد على أن هذا الإسهام يظل محدودا ولا يمكن أن يشكل حلا جذريا لأزمة المياه في الأردن، في ظل الفجوة المائية الكبيرة التي تعاني منها المملكة.
وبين سلامة أن الاحتياجات المائية الحالية في الأردن تتجاوز 400 مليون متر مكعب سنويا، لافتا إلى أن مشاريع الحصاد المائي، مهما بلغ مستوى التوسع فيها، لن تتمكن من توفير أكثر من نحو عشر هذه الكمية، ما يؤكد أن حصاد مياه الأمطار، رغم أهميته، يجب أن ينظر إليه كأداة مكملة ضمن حزمة حلول متكاملة، وليس كبديل كاف لمواجهة تحديات المياه المتفاقمة.
تحسين الإدارة والتشريعات
وفي الإطار ذاته، أكد الأمين العام الأسبق لسلطة المياه م. توفيق الحباشنة، أن الأردن يمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة بالكامل في مجال حصاد مياه الأمطار، مشيرا إلى أن هذا القطاع يمكن أن يتحول إلى ركيزة أساسية للأمن المائي في حال تم تحسين الإدارة والتشريعات وتطوير التقنيات المعتمدة.
ورأى الحباشنة أن واقع حصاد وإدارة مياه الأمطار في الأردن ما يزال دون المستوى الأمثل، رغم ما يشهده من تطور في بعض الجوانب، مؤكدا أن تعظيم الاستفادة من هذا المورد يتطلب انتقالا نوعيا نحو مقاربات أكثر تكاملا، تنسجم مع التوجهات العالمية الحديثة التي تعيد تعريف إدارة المياه من خلال ربطها بالمناخ والثقافة، كما يطرح المؤتمر الدولي.
وقال الحباشنة إن تطوير هذا القطاع يمكن أن يتم عبر عدة مستويات مترابطة، تبدأ من المستوى الوطني من خلال وضع سياسات وتشريعات واضحة تحفز الاستثمار في حصاد مياه الأمطار، مرورا بالمستوى التقني الذي يركز على تحديث الأدوات والأنظمة وتعزيز كفاءة التخزين والاستخدام، وصولا إلى المستوى الزراعي الذي يعد من أكثر القطاعات استفادة من هذه الموارد.
وأشار كذلك إلى أهمية مستوى التوعية المجتمعية في تعزيز ثقافة حصاد المياه، مبينا أن نجاح أي مقاربة متكاملة يعتمد بشكل كبير على قبول المجتمع ومشاركته الفاعلة في تطبيق هذه الحلول على أرض الواقع.
وفي سياق التحديات، لفت الحباشنة إلى وجود مجموعة من العقبات التي تحد من تطور هذا القطاع، من بينها التحديات الطبيعية المرتبطة بتذبذب الهطول المطري، إضافة إلى التحديات الفنية المتعلقة بكفاءة أنظمة التخزين والحصاد، فضلا عن التحديات المؤسسية والإدارية التي تتمثل في ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وهو ما يستدعي تبني نهج أكثر تكاملا وشمولا.
وأكد أن تبني مقاربات متكاملة تجمع بين الحلول الهندسية التقليدية والحلول القائمة على الطبيعة، إلى جانب تعزيز البعد الثقافي والمجتمعي في إدارة المياه، يشكلان مدخلا أساسيا لتعظيم الاستفادة من مياه الأمطار، وتحقيق قدر أكبر من المرونة في مواجهة تحديات التغير المناخي.