الغد
في عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية، وتتكرر الأزمات الاقتصادية، وتتعرض سلاسل الإمداد العالمية للاهتزاز، لم يعد الأمن الغذائي قضية زراعية فحسب، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني الشامل. فالدول التي لا تمتلك القدرة على إنتاج غذائها الأساسي أو حماية مزارعيها، تبقى رهينة للأسواق الخارجية وتقلبات الأسعار والأزمات الدولية، وهو ما أثبتته السنوات الأخيرة منذ جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى التوترات الإقليمية التي أثرت بصورة مباشرة في تجارة الحبوب العالمية.
وفي الأردن، يمثل محصولا القمح والشعير خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي الوطني، ليس فقط لأنهما من السلع الإستراتيجية، وإنما لأنهما يرتبطان بشكل مباشر باستقرار المجتمع، واستدامة القطاع الزراعي، وحماية المناطق الريفية، وتعزيز صمود الدولة في مواجهة الأزمات المستقبلية.
وقد أعاد ما شهده موسم الحصاد الحالي في محافظة الكرك من تكدس كميات كبيرة من القمح والشعير إلى الواجهة أهمية التخطيط المسبق لإدارة المواسم الزراعية الإستراتيجية. فوفرة الإنتاج، التي كان ينبغي أن تكون مصدر فخر ونجاح، تحولت إلى مصدر قلق للمزارعين نتيجة بطء عمليات النقل والاستلام، ما أدى إلى بقاء آلاف الأكياس في الحقول معرضة للحرائق أو التلف أو السرقة. ورغم الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصناعة والتجارة، ومنها تمديد ساعات العمل وافتتاح مستودع جديد في منطقة المشيرفة، إلا أن حجم الإنتاج كشف الحاجة إلى تطوير منظومة الاستلام والتخزين والنقل بما يتناسب مع الطموحات الوطنية في تحقيق الأمن الغذائي.
إن نجاح أي سياسة زراعية لا يقاس فقط بزيادة الإنتاج، وإنما بقدرة الدولة على استيعاب هذا الإنتاج وتسويقه بسرعة وكفاءة. فالمزارع الذي يزرع القمح يحتاج إلى الثقة بأن محصوله سيجد طريقه مباشرة إلى مخازن الدولة دون تأخير أو تعقيدات، لأن أي تأخير يعني خسائر مالية، وارتفاع كلف النقل، وزيادة المخاطر التي قد تلتهم جهده طوال موسم زراعي كامل.
ولذلك، فإن مسؤولية حماية الأمن الغذائي لا تقع على عاتق المزارع وحده، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتقاسمها جميع مؤسسات الدولة. فالاستثمار في شراء القمح والشعير المحلي ليس دعماً لفئة معينة، وإنما استثمار مباشر في الأمن الوطني. وكل دينار ينفق لدعم المنتج المحلي يوفر على الدولة أضعافه مستقبلاً عند ارتفاع أسعار الاستيراد أو تعطل خطوط التجارة العالمية.
ومن هنا، فإن الحكومة مطالبة بالنظر إلى شراء المحاصيل المحلية باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومي، تماماً كما تنظر إلى الإنفاق على الدفاع أو الطاقة أو المياه. فالقمح لم يعد مجرد سلعة زراعية، بل أصبح مورداً إستراتيجياً لا يقل أهمية عن مصادر الطاقة أو الاحتياطيات المالية، خصوصاً في ظل عالم يشهد تزايداً في استخدام الغذاء كسلاح سياسي واقتصادي.
كما أن تشجيع المزارعين على الاستمرار في زراعة القمح والشعير يمثل استثماراً بعيد المدى في استدامة الريف الأردني. فالمزارع الذي يشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه سيواصل الإنتاج ويطور أرضه ويستثمر في التقنيات الزراعية الحديثة، أما إذا واجه صعوبات متكررة في التسويق أو الاستلام، فقد يتجه إلى ترك الزراعة أو التحول إلى محاصيل أخرى، الأمر الذي يضعف القدرة الوطنية على إنتاج الحبوب مستقبلاً.
ومن الضروري كذلك أن تمتد مظلة الدعم إلى جميع محافظات المملكة، وليس فقط إلى المناطق ذات الإنتاج المرتفع. فالمزارعون في الطفيلة ومعان والمفرق وإربد وعجلون والبلقاء والبادية الشمالية والجنوبية وسائر مناطق المملكة يشكلون منظومة واحدة للأمن الغذائي، ويستحقون جميعاً بنية تحتية متطورة تشمل مستودعات حديثة، وشبكات نقل فعالة، ومراكز استلام قريبة، وأنظمة إلكترونية لتنظيم الدور، بما يقلل من زمن الانتظار ويخفض الكلف على المزارعين.
كما ينبغي تعزيز الطاقة التخزينية للصوامع والمستودعات الحكومية، وإنشاء مخازن إستراتيجية إضافية موزعة جغرافياً، بما يسمح باستيعاب المواسم الوفيرة دون حدوث اختناقات لوجستية. فالتغيرات المناخية تجعل الإنتاج الزراعي أكثر تقلباً، وقد تشهد المملكة في بعض السنوات وفرة كبيرة تستوجب جاهزية عالية لاستقبالها، وهو ما يحول الوفرة إلى مكسب إستراتيجي بدلاً من أن تصبح تحدياً إدارياً.
ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير الشراكة مع القطاع الخاص والتعاونيات الزراعية في مجالات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية، بما يخفف الضغط عن الجهات الحكومية خلال مواسم الحصاد، ويضمن سرعة وصول المحاصيل إلى مراكز التجميع دون تحميل المزارعين أعباء إضافية قد تؤثر في دخلهم.
إن الأردن يمتلك خبرات زراعية عريقة، ومزارعين أثبتوا قدرتهم على تحقيق إنتاج متميز رغم محدودية المياه وصعوبة الظروف المناخية. ومن الواجب الوطني أن تترجم هذه الجهود إلى سياسات داعمة تضمن شراء المحصول كاملاً، وتسريع استلامه، وتقديم الحوافز التي تشجع على زيادة المساحات المزروعة بالقمح والشعير عاماً بعد عام.
إن الأمن الغذائي لا يبنى في لحظة الأزمة، وإنما يبنى في كل موسم زراعي، وفي كل قرار يدعم المزارع، وفي كل مستودع ينشأ، وفي كل طن من القمح المحلي يدخل إلى المخزون الإستراتيجي للدولة. فحين يشعر المزارع أن دولته تقف إلى جانبه، فإنه لن ينتج الغذاء فقط، بل سيشارك في حماية استقلال القرار الوطني، وتعزيز قدرة الأردن على مواجهة المستقبل بثقة وصلابة. فالأمن الغذائي ليس مجرد قضية زراعية، بل هو أحد أعمدة السيادة الوطنية، والاستثمار فيه هو استثمار في أمن الأردن واستقراره ومستقبل أجياله.