"لينكد إن".. استثمار رقمي يعيد رسم مسارات الشباب المهنية ويفتح أبواب سوق العمل
الغد-إبراهيم المبيضين
لم تعد شبكة "لينكد إن" (LinkedIn)، التي يقترب عدد مستخدميها عالميا من 1.3 مليار مستخدم، من بينهم نحو 1.2 مليون مستخدم في الأردن، مجرد منصة للتواصل المهني أو البحث عن وظيفة بعد التخرج، بل تحولت إلى أداة للاستثمار المبكر في رأس المال البشري، وبناء الهوية المهنية الرقمية، وتوسيع شبكة العلاقات مع الشركات وأصحاب الأعمال والخبراء وصنّاع القرار، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الشباب للوصول إلى فرص العمل والتدريب والشراكات والاستثمار.
ويرى خبراء في مجالات الهوية الرقمية والتكنولوجيا والإعلام الرقمي أن الحضور المبكر للطلبة والخريجين الجدد على المنصة بات جزءا مهما من بناء المسار المهني، في ظل التحولات التي يشهدها سوق العمل، وتزايد أهمية المهارات التطبيقية والسمعة المهنية والقدرة على التواصل، إلى جانب المؤهلات الأكاديمية والخبرات التقليدية.
ويؤكد الخبراء أن قيمة المنصة لا تقتصر على ربط الباحثين عن عمل بأصحاب الوظائف، بل تمتد إلى تمكين الشباب من فهم احتياجات سوق العمل، ومتابعة التخصصات والمهارات الأكثر طلبا، والتواصل المباشر مع المؤسسات والخبراء، فضلا عن عرض مشاريعهم وتجاربهم العملية بما يعزز فرصهم في المنافسة.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في مجال بناء الهوية الرقمية خالد الأحمد أن بناء حضور مهني ناجح على المنصات الرقمية يبدأ بوضوح الرؤية المهنية، وتحديد المسار الذي يسعى الفرد إلى العمل فيه، أو الخدمة التي يرغب في تقديمها، قبل التفكير في الانتشار وزيادة عدد المتابعين والعلاقات.
ويشير الأحمد إلى أن تحديد الجمهور المستهدف، وفهم التحديات التي يواجهها، ومعرفة كيفية توظيف الخبرات والمهارات لتقديم حلول عملية، تشكل الأساس لبناء حضور رقمي مؤثر ومستدام.
ويضيف أن الانتقال من مجرد الوجود على المنصة إلى التأثير في مجتمع الأعمال يتطلب من المستخدم أن يطرح على نفسه سؤالا أساسيا قبل نشر أي محتوى: ما القيمة الحقيقية التي سيحصل عليها القارئ من هذه المعلومة؟
ويوضح أن تحويل صناعة المحتوى من الاستعراض الشخصي إلى تقديم المعرفة والخبرات والمعلومات المفيدة ينعكس إيجابا على الصورة المهنية للفرد، ويعزز ثقة مجتمع الأعمال به، ويقدم دليلا عمليا على اهتمامه بتخصصه وامتلاكه معرفة حقيقية فيه.
ويلفت الأحمد إلى أن لكل منصة من منصات التواصل الاجتماعي طبيعتها وثقافتها وجمهورها، الأمر الذي يجعل التعامل معها بأسلوب واحد خطأ يحد من فاعلية التواصل الرقمي. فبينما يعتمد "إنستغرام" بدرجة كبيرة على المحتوى المرئي، ويشكل "فيسبوك" مساحة للتواصل الاجتماعي والعلاقات الشخصية، وتغلب الأخبار والنقاشات العامة على منصة "إكس"، تبرز "لينكد إن" بوصفها بيئة مهنية تحكمها لغة الأعمال والخبرات المشتركة.
ويبين أن فهم ثقافة المنصة وطبيعة جمهورها يمثل شرطا أساسيا لتوجيه الرسائل بصورة صحيحة وتحقيق التأثير المطلوب، مشيرا إلى أن "لينكد إن"، رغم بعض المظاهر السلبية المرتبطة بالمبالغة في المثالية والاستعراض المهني، لا تزال مساحة مهمة لبناء العلاقات المهنية وتطوير المسارات الوظيفية.
الملف المهني.. الواجهة الرقمية الأولى
ويشدد الأحمد على أهمية البدء المبكر في بناء الحضور المهني، خصوصا لدى طلبة الجامعات والخريجين الجدد، لافتا إلى أن غياب الخبرة الوظيفية لا يعني عدم وجود ما يمكن عرضه على المنصة؛ إذ يستطيع الشباب إبراز مشاريعهم الجامعية والدورات التدريبية والأنشطة التطوعية والتجارب التي تعكس مهارات العمل الجماعي والقدرة على المبادرة والتعلم.
ويؤكد أن الاستثمار في الحضور الرقمي يبدأ بإنشاء ملف شخصي احترافي، يتضمن صورة مناسبة وبيانات دقيقة وعنوانا مهنيا واضحا ومعلومات تعكس التخصص والمهارات والخبرات، بما يعزز الانطباع الأول لدى أصحاب العمل، ويساعد على ظهور الملف في نتائج البحث عبر الإنترنت.
وفي المقابل، يحذر من تضخيم المؤهلات أو إدراج معلومات غير دقيقة، باعتبار أن ذلك يضعف المصداقية المهنية، ويمكن اكتشافه بسهولة خلال مقابلات العمل. كما يحذر من التعامل مع المنصة باعتبارها أداة طوارئ لا يُلجأ إليها إلا عند الحاجة إلى وظيفة.
ويدعو إلى بناء العلاقات المهنية قبل الحاجة إليها، والتواصل مع أصحاب القرار على أساس تبادل المعرفة والقيمة، بدلا من الاقتصار على طلب المساعدة أو إرسال طلبات التوظيف بصورة عشوائية.
ويشير إلى أن السوق الأردني يضم خبراء ومجتمعات مهنية نشطة محليا وإقليميا، ما يوفر للشباب فرصا لتوسيع علاقاتهم والتفاعل مع أصحاب الخبرة، سواء أكانوا طلبة أم رواد أعمال أم باحثين عن فرص مهنية.
ولتحويل هذا الحضور إلى فرص ملموسة، ينصح الأحمد بالتركيز أولا على رفع جودة الحساب، ثم تقديم حلول عملية للتحديات التي تواجه الشركات المستهدفة، مع اعتماد أساليب تواصل تتناسب مع طبيعة الأشخاص والمؤسسات. كما يشدد على أهمية التفاعل مع الحسابات النشطة من خلال التعليقات النوعية والمشاركة في النقاشات، والتواصل المباشر والمدروس مع الجهات والأشخاص الذين لا يتفاعلون بصورة منتظمة.
من البحث عن وظيفة إلى بناء المسار المهني
من جهته، يرى الخبير في مجال تكنولوجيات المستقبل وتطوير المنتجات، المهندس معتز العطين، أن وجود الشباب على شبكة "لينكد إن" أصبح مهما، لكن ليس لمجرد إنشاء حسابات أو زيادة عدد الاتصالات، وإنما لبناء حضور مهني حقيقي يعكس المعرفة والمهارات والتجارب.
ويؤكد العطين أن البحث عن الوظائف لم يعد يعتمد حصرا على إرسال السير الذاتية والتقدم للإعلانات الوظيفية، إذ أصبح للحضور المهني الرقمي دور متزايد في تعريف أصحاب العمل بقدرات المرشحين واهتماماتهم وطريقة تفكيرهم.
ويضيف أن المنصة توفر مساحة لبناء الهوية المهنية، وتوسيع شبكة العلاقات، والتعلم، والوصول إلى الشركات والخبراء وأصحاب القرار والعملاء والشركاء، لافتا إلى أن فرص العمل والشراكات قد تنشأ أحيانا من منشور أو تعليق أو تواصل مهني، دون المرور بإعلان توظيف تقليدي.
ويشدد على ضرورة أن يعكس الملف الشخصي صورة واضحة عن شخصية المستخدم المهنية، من خلال عنوان يحدد التخصص والاهتمامات، ونبذة مختصرة عن الخبرات، إلى جانب المشاريع والتدريب والشهادات والمهارات، مع التركيز على توضيح القيمة التي يستطيع الشخص تقديمها، لا الاكتفاء بسرد المؤهلات.
وينصح الشباب بتوثيق أعمالهم ومشاريعهم ونشرها على المنصة، سواء أكانت مشاريع تخرج أم تجارب تدريبية أم مشاريع تقنية أم أفكارا قيد التطوير، وحتى التجارب التي تعلموا منها كيفية التعامل مع مشكلة معينة وإيجاد الحلول المناسبة لها.
ويعتبر أن هذه المشاركات تمنح أصحاب العمل صورة أكثر واقعية عن قدرات الشباب وطريقة تفكيرهم وإمكاناتهم التطبيقية، بما يتجاوز المعلومات التقليدية الواالعطين أن "لينكد إن" يمكن أن تشكل أداة مهمة لبناء الثقة والوصول إلى العملاء والشركاء والمستثمرين، من خلال عرض المشاريع والنتائج وتجارب العملاء والتحديات التي يستطيع المشروع معالجتها.
ويؤكد أن البدء باستخدام المنصة خلال سنوات الدراسة الجامعية يمنح الشباب أفضلية عند التخرج؛ إذ يصل الطالب إلى سوق العمل وقد بنى شبكة علاقات مهنية، ووثق جانبا من أعماله وتجاربه، وأصبح أكثر معرفة بالشركات والخبراء والتوجهات في مجال تخصصه.
ويحذر العطين، في الوقت ذاته، من الاعتقاد بأن امتلاك حساب قوي كافٍ لتحقيق النجاح المهني، مؤكدا أن "لينكد إن" لا تصنع الكفاءة، وإنما تساعد على إظهارها، وأن الأولوية يجب أن تبقى للتعلم والتطبيق واكتساب المهارات والخبرات الحقيقية، ثم توثيقها وعرضها بطريقة مهنية.
العلامة الشخصية.. عنصر متزايد الأهمية في التوظيف
بدوره، يرى الخبير في مجال الإعلام الرقمي إبراهيم الهندي أن "لينكد إن" تجاوزت مفهوم البحث عن الوظائف، لتصبح إحدى المنصات المهمة لبناء العلامة الشخصية والهوية والسمعة المهنية، في ظل تغير طبيعة المنافسة في سوق العمل، التي لم تعد ترتبط بالمؤهلات والشهادات فحسب، وإنما أيضا بقدرة الفرد على تقديم نفسه وخبراته بصورة واضحة ومقنعة.
ويؤكد الهندي أهمية أن يبدأ الشباب بناء حضورهم المهني قبل الحاجة إلى فرصة عمل، مشيرا إلى أن الوجود المبكر على المنصة يتيح لهم الاقتراب من صنّاع القرار في الشركات والتفاعل معهم، ومتابعة التوجهات المستقبلية للصناعات والأسواق، والتعرف إلى المهارات والتخصصات التي يتزايد الطلب عليها.
ويضيف أن المنصة تقرّب المستخدمين من الشركات ومسؤولي التوظيف وأصحاب الأعمال والخبراء في المجالات التي يرغبون في العمل والتطور فيها، ما يجعلها أداة للتعلم واستشراف احتياجات السوق، وليس مجرد وسيلة للتقدم إلى الوظائف.
ويشير الهندي إلى أن بناء الحضور المهني يتطلب إيصال ثلاث رسائل أساسية بوضوح: من أنا؟ وما الخبرات والمهارات التي أمتلكها؟ وكيف يمكنني تقديم قيمة للآخرين؟
ويوضح أن تحقيق ذلك يبدأ بتأسيس ملف مهني متكامل، ثم الانتظام في نشر محتوى يعكس الخبرات والمهارات والمشكلات التي يستطيع الشخص حلها والخدمات التي يمكنه تقديمها، قبل الانتقال إلى توسيع شبكة العلاقات من خلال متابعة الشركات والأشخاص العاملين في المجال، والمشاركة في النقاشات، وكتابة تعليقات تضيف قيمة حقيقية.
ويلفت الهندي إلى أن بناء ملف مهني قوي، وعرض المشاريع بوضوح، ونشر محتوى يعكس المعرفة والخبرة، من شأنه أن يعزز فرص وصول مسؤولي التوظيف وأصحاب الأعمال إلى الأشخاص الذين تتوافق مهاراتهم مع احتياجاتهم.
ويشير، من واقع تجربته بوصفه صاحب شركة، إلى أنه يحرص، بعد إعداد قائمة المرشحين للتوظيف، على الاطلاع على حساباتهم عبر "لينكد إن"، للتعرف بصورة أوسع إلى طريقة تفكيرهم ونشاطهم واهتماماتهم المهنية، وكيفية تقديم أنفسهم للآخرين.
ويؤكد أن هذه الممارسات تعكس أهمية الحضور الرقمي في عملية التقييم المهني، إذ بات الملف الشخصي يوفر مؤشرات إضافية تساعد أصحاب الأعمال على تكوين صورة أوسع عن المرشحين، إلى جانب المعلومات الواردة في السير الذاتية وما تكشف عنه المقابلات الوظيفية.