أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    08-May-2026

الاقتصاد الوطني.. إعادة ترتيب أولويات الإصلاح

 الغد-عبد الرحمن الخوالدة

 أكد خبراء أنه في الوقت الذي تتحسن فيه بيئة الأعمال وحرية التجارة والاستثمار في الأردن، فإن هذا ما يزال غير كافٍ لإحداث نقلة اقتصادية نوعية في ظل الضغوط المتراكمة على المالية العامة، وضعف كفاءة سوق العمل، وتحديات تتعلق بفاعلية المنظومة القانونية.
 
 
 ودعا الخبراء إلى إعادة ترتيب أولويات الإصلاح الاقتصادي، بما يركز على الاستدامة المالية، وتحسين كفاءة سوق العمل، وتعزيز الاستقرار القانوني، لتحقيق نمو أكثر توازنا وشمولا. يأتي هذا في وقت كشف فيه مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2026، أن الأردن تراجع ثلاثة مراكز مقارنة بالعام الماضي، إذ حل في المرتبة 94 عالميا عند 59.3 نقطة، فيما جاء في المرتبة التاسعة من بين 14 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 وبين الخبراء أن ترتيب الأردن ضمن المؤشر يؤكد وجود فجوة بين التقدم النسبي في مؤشرات الانفتاح الاقتصادي، واستمرار اختلالات هيكلية تحد من تعظيم أثر هذا الانفتاح على النمو والتشغيل.
 ويرى الخبراء أن المشكلة لا تكمن في غياب الانفتاح الاقتصادي، بل في محدودية قدرته على إنتاج أثر اقتصادي واجتماعي متكامل، إذ لا تنعكس المكاسب المسجلة في مؤشرات التجارة والاستثمار والاستقرار النقدي بالشكل الكافي على النمو الحقيقي أو توفير فرص عمل، نتيجة استمرار الاختناقات في قطاع المالية العامة، وسوق العمل، والبيئة القانونية.
أداء الأردن في مؤشر الحرية الاقتصادية
يكتسب المؤشر، الصادر مؤخرا عن مؤسسة "هيريتج فاونديشن" (Heritage Foundation)، أهمية كونه يقيس بيئة الأعمال والاستثمار من خلال مؤشرات فرعية تشمل: سيادة القانون، وكفاءة الأنظمة التنظيمية، وحجم تدخل الحكومة، ودرجة الانفتاح على الأسواق، ما يجعله مرجعا للمستثمرين في تقييم جاذبية الاقتصادات.
 وحدد تقرير المؤشر، الذي اطلعت عليه "الغد"، نقاط الضعف التي أثرت على ترتيب الأردن، خصوصا في مؤشري حجم الحكومة وسيادة القانون.
 وأكد التقرير أن الاقتصاد الأردني منفتح نسبيا على التجارة والاستثمار، مع تحسن في كفاءة تأسيس الشركات وتشغيلها. وعلى صعيد المؤشرات الفرعية، جاءت نتائج مكونات المؤشر الفرعي "حجم الحكومة" على النحو الآتي: بلغ أداء مكون العبء الضريبي 84.1 نقطة، والإنفاق الحكومي 67.3 نقطة، مقابل 5.2 نقطة فقط في الصحة المالية. وفي سيادة القانون، سجلت حقوق الملكية 52.3 نقطة، والفعالية القضائية 44 نقطة، ونزاهة القضاء 51 نقطة.
 أما في الأسواق المفتوحة، فقد حقق الأردن 82 نقطة في حرية التجارة، و70 نقطة في حرية الاستثمار، و60 نقطة في الحرية المالية، مع متوسط تعرفة جمركية يبلغ 4.0 %، واستمرار بعض الحواجز غير الجمركية، في ظل معاملة متساوية للمستثمرين المحليين والأجانب، وتوافق نسبي للأنظمة المصرفية مع المعايير الدولية.
 وفي مؤشر الكفاءة التنظيمية، جاءت نتائج مكونات هذا المؤشر كما يأتي: سجلت حرية الأعمال 62.7 نقطة، وحرية العمل 51.3 نقطة، فيما بلغت الحرية النقدية 81.2 نقطة، مع بيئة تنظيمية تتسم بوجود مؤسسات راسخة نسبيا، لكنها تعاني من فجوات في الكفاءة. ويصنف التقرير أداء الأردن بأنه "أقل من المتوسط العالمي"، و"أعلى من المتوسط الإقليمي".
إعادة ترتيب الأولويات الإصلاحية.. خطوة أولى للتقدم في المؤشر
أوضح مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض، أن الأردن حقق أداء جيدا نسبيا في مؤشرات حرية التجارة والاستثمار والانفتاح المالي، كما أظهر تحسنا في حرية التجارة، مبينا أن هذه عناصر مهمة في قراءة بيئة الأعمال وجاذبية الاقتصاد.
 في الوقت ذاته، لفت عوض إلى أن تلك التحسينات، على أهميتها، لم تكن كافية لمنع تراجع الترتيب العام للاقتصاد الوطني على مؤشر الحرية الاقتصادية العالمي، لأنها لم تعالج نقاط الضعف الأكثر تأثيرا في بنية الاقتصاد، وتحديدا الصحة المالية، وسيادة القانون، وسوق العمل.
 ويرى عوض أن تعزيز حضور الأردن على المؤشر سالف الذكر يتطلب من الحكومة إعادة ترتيب الأولويات الإصلاحية التي تعمل عليها، إذ إن التركيز على الانفتاح التجاري وتحسين بعض جوانب بيئة الاستثمار لا يمكن أن يعوضا الاختلالات البنيوية التي تحد من قدرة الاقتصاد على النمو الحقيقي.
 وفي هذا السياق، حدد عوض ثلاثة محاور رئيسة تشكل نقاط ضغط على الاقتصاد الأردني؛ يتمثل المحور الأول في استمرار العجز وارتفاع الدين العام وتراجع قدرة المالية العامة على دعم النمو والاستثمار والخدمات الأساسية، إذ إن ذلك يؤدي إلى ضغوط مزمنة على المالية العامة، وهو ما يجعل الدولة أقل قدرة على تمويل البنية التحتية، وتحسين الخدمات، إضافة إلى توسيع الحماية الاجتماعية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية.
 أما المحور الثاني فهو سوق العمل -بحسب عوض- إذ يمثل الحلقة الأضعف في هذا المسار، فالاقتصاد المفتوح لا يحقق أثره الاجتماعي إذا لم يوفر وظائف كافية ولائقة، وإذا بقيت الأجور منخفضة، والمشاركة الاقتصادية محدودة، والفجوة بين المهارات واحتياجات السوق واسعة.
 ويتمثل المحور الثالث بأهمية استقرار القواعد القانونية، والارتقاء بالفاعلية القضائية الاقتصادية، حيث يعدان عاملين ضروريين لتعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين، معتبرا أنهما -إضافة إلى حماية الملكية، وسرعة إنفاذ العقود، ومكافحة الفساد- شروط أساسية لأي اقتصاد قادر على جذب الاستثمار المنتج والحفاظ عليه.
وشدّد عوض على أن معالجة الاختلالات الأساسية السابقة، وإعادة توجيه الأولويات نحو إصلاح المالية العامة والاستقرار القانوني، إضافة إلى بناء سوق عمل منتج وعادل، عوامل ستتقدم بترتيب الأردن على مؤشر الحرية الاقتصادية، الذي يُعدّ إحدى نقاط الجذب الاقتصادي والاستثماري التي تتطلع الدول إليها.
توازن غير متكافئ
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن تموضع الأردن في المرتبة 94 عالميا في مؤشر الحرية الاقتصادية يعكس توازنا غير متكافئ بين نقاط قوة تتمثل في الانفتاح الاقتصادي، ونقاط ضعف هيكلية ما تزال تؤثر على أداء الاقتصاد الأردني.
 وأوضح المخامرة أن تراجع ترتيب الأردن لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو مزيج من عوامل بنيوية داخلية تتداخل مع ظروف خارجية، إلا أن الغلبة، برأيه، تبقى للعوامل الداخلية المرتبطة بتضخم القطاع العام، وبطء الإصلاحات الهيكلية، وعدم تنويع الاقتصاد، وارتفاع معدلات البطالة الهيكلية. وأشار إلى أن الانفتاح التجاري والاستثماري يبقى عاملا مهما لدعم النمو، لكنه لا يعوض ضعف البيئة القانونية التي قد ترفع مستوى المخاطر أمام المستثمرين، ولا جمود سوق العمل الذي يمكن أن يحد من توفير فرص العمل الحقيقية في القطاع الخاص. وهذا ما يفسر، برأيه، قدرة الأردن على تحقيق أداء أفضل نسبيا على المستوى الإقليمي، مقابل تراجع ترتيبه عالميا مقارنة باقتصادات نجحت في تحقيق توازن أعمق بين مكونات الحرية الاقتصادية.
 وفيما يتعلق بمدى كفاية الانفتاح والاستقرار النقدي لتعويض ضعف سوق العمل، أكد المخامرة أن التأثير يبقى محدودا على المدى المتوسط، فسوق العمل الجامد، مع بطالة تتجاوز 21 %، يحدان من الاستفادة الفعلية من الانفتاح الاقتصادي، وحتى مع تدفق الاستثمارات، تبقى القدرة على إيجاد وظائف كافية أو رفع الإنتاجية محدودة في ظل ضعف المرونة المؤسسية والتشغيلية، ما يؤدي إلى نمو اقتصادي لا ينعكس بالضرورة على التشغيل، ويزيد الضغط على المالية العامة، إلى جانب دفع الكفاءات نحو الهجرة.
 وشدد المخامرة على أن الاستقرار النقدي والانفتاح التجاري يساهمان في تعزيز الاستقرار الكلي وتنشيط التجارة، لكنهما لا يعالجان الإشكاليات البنيوية.
سبل التطور في مؤشر الحرية الاقتصادية 
وفي إطار الحديث عن سبل تحسين موقع الأردن على مؤشر الحرية الاقتصادية، شدد الخبير الاقتصادي موسى الساكت على أن رفع الترتيب يتطلب التعامل مع مكامن الضعف وفق أولويات واضحة.
 وأكد أن أي تقدم ملموس لن يتحقق دون معالجة الجوانب الأكثر تأثيرا في بنية الاقتصاد.
 ويرى الساكت أن معالجة التحديات الهيكلية للاقتصاد الوطني ورفع منسوب جاذبيته والأداء ضمن هذا المؤشر، تتطلب التركيز على ثلاث أولويات إستراتيجية؛ الأولى: تتمثل بأهمية إصلاح المالية العامة، في ظل تسجيلها أضعف أداء رقمي ضمن مكونات المؤشر، مشيرا إلى أن استمرار العجز وارتفاع الدين العام يحدان من فاعلية باقي الإصلاحات.
 ودعا في هذا السياق إلى خفض العجز تدريجيا، وإعادة هيكلة الإنفاق الجاري، وتقليص كلفة الجهاز الحكومي، إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية بدلا من زيادة الأعباء الضريبية، وتحفيز النمو الاقتصادي، بما يساهم في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي.
 ولفت إلى أن أي تحسن في هذا المحور قد ينعكس سريعا على ترتيب الأردن في المؤشر.
 وبين أن الأولوية الثانية تتمثل في تعزيز القضاء وسيادة القانون، مؤكدا أن ثقة المستثمرين لا تقوم فقط على الحوافز الضريبية، بل على بيئة قانونية مستقرة وواضحة. وأشار إلى أهمية تسريع الفصل في القضايا التجارية، والتوسع في رقمنة المحاكم، وتعزيز إنفاذ العقود، ورفع مستويات الشفافية ومكافحة الفساد، إضافة إلى ترسيخ حماية الملكية والاستثمار، بما يعزز جاذبية الاقتصاد على المدى الطويل. أما الأولوية الثالثة - وفق الساكت - فتتمثل في إصلاح سوق العمل، باعتباره المحرك الأساسي لأي نمو اقتصادي مستدام.
 ودعا الساكت إلى تحديث تشريعات العمل بما يعزز المرونة، وتسهيل إجراءات التوظيف وإنهاء الخدمة وفق أسس عادلة، وربط مخرجات التعليم والتدريب المهني باحتياجات السوق، إلى جانب تشجيع مشاركة المرأة والشباب في النشاط الاقتصادي، وتقليص الفجوة بين القطاعين العام والخاص.