أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    21-Sep-2026

بين رفاهية الشراء وحاجة البيع.. هكذا يدار "سوق الوقت" في الأردن

 الغد- شروق البو

عندما نتسوّق للمطبخ، قد تبدو الأغذية "الجاهزة للأكل أو الطهي" مجرد سلع نشتريها، لكننا في الواقع نشتري معها شيئًا آخر، هو "الوقت"، وبفارق سعري قد يبدو مقبولاً لمن يزاحم الحياة وتسارع إيقاعها.
 
 
 
فالأرفف اليوم تبدو مختلفة عمّا كانت عليه في السابق؛ خضروات مغسولة ومقطعة، وأخرى جاهزة للحشي، وصولاً إلى "ثوم مقشّر"، في منتجات تختصر دقائق وربما أكثر من الوقت الذي تحتاجه عملية التحضير في المنزل.
 
 
ولا يتوقف "شراء الوقت" عند السلع، بل يمتد إلى "سوق الخدمات" أيضًا؛ فمن يزاحم الوقت قد يختار سيارة الأجرة بدل حافلة النقل العام، أو يدفع بدل توصيل وجبة أو طرد، مقابل توفير مشوار قد يستنزف منه وقتًا طويلًا في الطريق والأزمات المرورية.
 
 
وهكذا، لم يَعُد سعر المُنتَج وحده ما نضعه في حساباتنا عند الشراء، بل أصبح الوقت الذي توفره السلعة أو الخدمة جزءاً من ثمنها أيضاً.
 
 
 
"شراء الوقت" أمر متفاوت
 
وعلى غرار شريحة واسعة من الأمهات العاملات، تؤكد "أم محمود"، وهي سيدة تعمل في إحدى الشركات الخاصة،  أن "شراء الوقت" بات أمرا لا بد منه بشكل أو بآخر، ولكن بنسب متفاوتة بين النساء العاملات.
 
 
وتضيف "أم محمود" لـ"الغد"، أن مدى الإنفاق على الوقت يختلف من امرأة لأخرى بناء على مدة دوامها، وعدد أفراد أسرتها، والمسافة بين مكان عملها ومسكنها، وطبيعة عملها، فهناك نساء يضطررن لإكمال بعض الأعمال في منازلهن.
 
 
وتقول: "لأنني أحرص على إدارة وقتي بشكل جيد وعدم التقصير في مهام المنزل قدر المستطاع، اخترت أن أشترك بخدمة تنظيف المنزل أسبوعيا مقابل 15 دينارا".
 
 
وتتابع "أم محمود": "اعتدت أيضا على تحضير حشوة المعجنات والطلب من أحد المخابز حشيها وخبزها لي مقابل أجر مادي، كما أشتري الكوسا والباذنجان المحفور اختصارا للوقت، رغم أن سعره يكون مضاعفا مقارنة بالخضار العادية".
 
 
وتردف: "في بعض الأحيان، ألجأ إلى شراء الدجاج المُنَظّف والمقطع والمُتبّل أو المحشي حتى، وكل ذلك بهدف توفير الوقت وسط زحمة الحياة ومسؤوليات تدريس أبنائي الثلاثة، إلى جانب المسؤوليات الاجتماعية التي لا يمكن تجاهلها".
 
 
 
من جانبه، يقول صالح كيلاني، وهو شاب عشريني أعزب، إنه يعمل بواقع 11 ساعة يوميا، ويحرص على تناول طعام صحي، بينما لا يجد الوقت الكافي لتحضير الوجبات المناسبة، فيفضل أن يشتري طعامه جاهزا وأن يدفع مقابل التوصيل.
 
ويضيف الكيلاني لـ"الغد"، أنه يعتمد على محلات تنظيف الملابس في غسل ثيابه وكيّها، وهذا أيضا يترتب عليه مقابل مادي، لكنه يوفر وقته وجهده، كما أنه يحبذ دفع جزء من المال مقابل خدمة التوصيل لأي شيء يتطلب منه الخروج من المنزل وبذل مجهود في قيادة السيارة وقضاء وقت طويل في الطرقات.
 
 
 
"بيع الوقت" مصدر للدخل
 
وفي المقابل، تقول "أم زيد"، وهي سيدة تعمل في أحد المطابخ الإنتاجية، إن 80% من زبائنها هن سيدات عاملات، إما يطلبن الأكلات المفرّزة أو الخضروات المغسولة والمقطعة، أو الوجبات الجاهزة للطهي.
 
 
وتضيف "أم زيد" لـ"الغد"، أن العديد من النساء العاملات يُمضين وقتا طويلا خارج المنزل، ويضطررن لاختصار الوقت الذي يستغرقه إعداد الطعام اليومي مقابل أجر مادي.
 
 
وتؤكد أن ذلك من ناحية أخرى، يساعد عددا كبيرا من النساء المنتجات، من ذوي الدخل المحدود، واللاتي يمكن لهن العمل من المنزل والحصول على دخل يعينهن في حياتهن
 
 
أما "مراد" الذي يعمل سائق توصيل سلع وطرود في إحدى الشركات الخاصة، فيؤكد لـ"الغد"، أن اعتماد الزبائن على التوصيل بمقابل نقدي "في ازدياد"، حتى وإن كان بعضهم يمتلك سيارة ومنزله قريب من موقع المحل الذي يشتري منه، مبينا أنه كلما زاد الطلب على التوصيل ارتفع دخله لقاء هذه الخدمة.
 
"سوق الوقت" يوفر الحاجة والرفاهية
 
وفي هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي حسام عايش إن "سوق الوقت" هو سوق اعتمادية؛ فهناك اعتماد متبادل بين أصحاب الحاجات من جهة ومن يقدم السلع أو الخدمات من جهة أخرى.
 
 
ويضيف عايش لـ"الغد"، أن من "يشتري الوقت" يرى أن بإمكانه تحمل الكلفة المادية لذلك، وهي غالبا إما تكون بهدف توفير الوقت، أو كنوع من الرفاهية، مؤكدا أن هذا الأمر أوجد نشاطا اقتصاديا وخدماتيا.
 
 
ويتابع: "الرغبة بتوفير الوقت أو الحصول على نوع من الرفاهية، أدى في المقابل، إلى تحفيز ربات البيوت على إنتاج أطعمة جاهزة أو سلع أخرى، كما أوجد وسائل توصيل مختلفة، وخلَق فرص عمل أخرى، وكأن المجتمع أعاد تنظيم نفسه وظيفيا".
 
 
ويردف عايش: "هذه المهن والوظائف الجديدة التي أوجدها المجتمع تعكس عملية إعادة توزيع الدخل الذي تحصل عليه الفئة المحتاجة للسلع والخدمات، بحيث ينتقل جزء من دخلها إلى فئات اجتماعية حرفية ومهنية جديدة".
 
 
ويوضح أن الوقت الذي يتم توفيره أصبح ثمينا وتُدفع قيمته، وبالنتيجة يعد ذلك شكلا غير معلن من التكافل الاجتماعي الذي تعتاش عليه عائلات بأكملها أو يُحسّن مستوى معيشتها.
 
 
ويشدد عايش على ضرورة ألا تؤثر عملية "شراء الوقت" على صافي الدخل النهائي وألا يكون على حساب الحاجات الأساسية للفرد والأسرة.
 
 
"الوظيفة البديلة"
 
 
وتفسر أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتورة ميساء الرواشدة هذا السلوك بأن الوقت أصبح من أكثر الموارد قيمة وندرة في المجتمعات الحديثة، وبالتالي يمكن أن يدفع الفرد مقابل خدمة تختصر عليه ساعات من العمل والجهد، ليعيد استثمار هذا الوقت في عمله أو أسرته أو تطوير ذاته أو تحقيق أهدافه.
 
وتضيف الرواشدة لـ"الغد"، "تتضح أهمية مفهوم "شراء الوقت" بصورة أكبر لدى المرأة العاملة، التي غالبًا ما تجمع بين مسؤوليات العمل والأدوار الأسرية والمنزلية والاجتماعية، وهنا ظهرت العديد من الخدمات التي تؤدي ما يمكن تسميته (الوظيفة البديلة)".
 
وتتابع: "الوظيفة البديلة هي أي أن يقوم شخص أو جهة أو تطبيق بمهمة كان الفرد يؤديها بنفسه، مقابل المال، بما يخفف عنه عبء الوقت والجهد".
 
وتشير الرواشدة إلى أن "خدمات توصيل الطعام وتجهيز الخضار من تقطيع وغسل وحفر بالإضافة إلى المشتريات، والتسوق الإلكتروني، والتنظيف المنزلي، ورعاية الأطفال، والنقل، وإنجاز المعاملات إلكترونيًا وغيرها، لم تعد مجرد مظاهر للرفاهية، بل أصبحت لدى كثير من الأسر أدوات لإدارة الوقت وإعادة توزيعه".
 
وتوضح أنه "من منظور علم الاجتماع، يعكس انتشار هذه الخدمات تحولًا مهمًا في تقسيم العمل داخل المجتمع؛ فكلما ازدادت سرعة الحياة وتعددت الأدوار التي يؤديها الفرد، ظهرت وظائف وخدمات جديدة تتولى بعض المهام نيابة عنه".
 
وتبين الرواشدة أن "المفارقة اللافتة، هي أن انتشار وسائل توفير الوقت لم يؤدِ بالضرورة إلى شعور الإنسان بأنه أصبح يمتلك وقتًا أكثر، فقد تتوفر للفرد خدمات التوصيل والتسوق الإلكتروني والمساعدة المنزلية والتطبيقات التي تختصر عشرات المهام، ومع ذلك يظل يردد "ليس لدي وقت"".
 
وتردف: "وهنا تكمن المسألة الأعمق؛ فالمشكلة ليست دائمًا في ضيق الوقت الحقيقي، وإنما قد تكون في العقل المنشغل باستمرار، فالإنسان المعاصر قد يختصر زمن إنجاز مهامه، لكنه يملأ الوقت الذي وفره بمهام وأهداف والتزامات جديدة، ويبقى ذهنه ينتقل من أمر إلى آخر، يفكر فيما أنجز وما لم ينجز وما ينبغي أن يفعله لاحقًا".
 
وتضيف الرواشدة: "لذلك نستطيع أن نشتري خدمة توفر لنا الوقت، لكننا لا نستطيع بالضرورة أن نشتري الشعور بالوقت، وبينما نستطيع شراء الخدمات التي توفر الوقت، فإن راحة العقل تحتاج إلى أولويات وقرارات وحدود لا تُشترى بالمال".