الغد-إبراهيم المبيضين
لم يعد تطبيق "سند" مجرد مستودع رقمي للوثائق أو منصة خدمية فحسب، بل أضحى فرصة إستراتيجية تسهم في إعادة صياغة المشهد الرقمي الشامل وفقا لما يؤكد خبراء في الشأن التقني.
ومع دخول المنصة مرحلة النضج، يجمع الخبراء على أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في "وفرة الخدمات" بل في "عمق التبني" وكسب ثقة المستخدم النهائي لتعميق أثره الاقتصادي والاجتماعي في بلد يقدر فيه عدد مستخدمي الإنترنت بنحو 11 مليونا منهم 8 ملايين يعتمدون على الهواتف الذكية.
ويرى الخبراء أن "سند" نجح في تأسيس البنية، لكن التحدي الحقيقي الآن هو تحقيق مزيد من الاستخدام (Critical Mass) وهنا النجاح لن يُقاس بعدد الخدمات، بل بنسبة الاعتماد الفعلي من المواطنين.
واقترح الخبراء نموذجا إستراتيجيا لتحويل التطبيق إلى منصة حكومية موحدة عميقة الأثر في التحول الرقمي تشمل التعامل بجدية مع ملفات الثقة، وتجربة المستخدم، والشمول الرقمي وتسويقه اعتمادا على هذه العوامل المهمة إلى جانب رعاية عامل الأمن السيبراني الذي يعزز الثقة.
ويشار إلى أن ولي العهد الأمير الحسين بن عبداﷲ الثاني زار يوم الخميس الماضي وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، والتقى الفريق المطور لتطبيق سند، إذ أكد سموه، خلال الزيارة، أهمية البناء على ما حققه التطبيق للتوسع بالخدمات الحكومية التي يتيحها، بما يسهم في تسهيل الإجراءات على المواطنين، مشيرا إلى أن التطبيق يشكل ركيزة أساسية في مسار التحول الرقمي في الأردن، لما له من دور مباشر في تبسيط الوصول إلى الخدمات الحكومية وتعزيز كفاءتها، مؤكدا أهمية الاستمرار في تطويره والاستفادة من التغذية الراجعة للمواطنين. وبلغ عدد الهويات الرقمية المفعلة عبر تطبيق سند نحو 2.5 مليون هوية رقمية.
وفي إطار التوجهات الوطنية للتحول الرقمي، وبتوجيهات من المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، أكدت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أخيرا أنها تواصل تطوير تطبيق "سند"، المنصة الوطنية الموحدة للخدمات الحكومية الرقمية، عبر إطلاق حزمة من التحديثات والخدمات، بما يعزز تجربة المستخدم ويواكب احتياجات المواطنين.
وقالت الوزارة: "التطبيق يشهد توسعا ملحوظا في الاستخدام، إذ بلغ عدد مستخدمي سند نحو 2.5 مليون مستخدم، فيما وصلت نسبة تفعيل الهوية الرقمية إلى 42 % من المواطنين المؤهلين الذين أعمارهم 16 عاما فأكثر، وهذا مؤشر واضح على تزايد الثقة بالخدمات الحكومية الرقمية"، مشيرة إلى أن التطبيق سجل أكثر من 400 ألف مستخدم جديد منذ بداية العام، ما يعكس التحول المتسارع نحو استخدام القنوات الرقمية في إنجاز المعاملات الحكومية بسهولة وأمان.
وشملت التحديثات الأخيرة توسيع نطاق الخدمات الرقمية، وإضافة خدمات نوعية تعزز تجربة المستخدم، وخدمات رقمية موسمية خلال شهر رمضان، من بينها إتاحة زكاة الفطر عبر التطبيق، والتي شهدت إقبالا ملحوظا من المستخدمين، كما تم إتاحة خدمة شراء أرقام لوحات المركبات المميزة، وخدمات دفع المخالفات، إلى جانب توفير خدمات دفع مسقفات الأمانة للأردنيين وغير الأردنيين.
وأكدت الوزارة أن هذه التحديثات تأتي ضمن خططها المستمرة لتعزيز منظومة الخدمات الحكومية الرقمية، وتوسيع نطاق الاستفادة من تطبيق "سند" بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، ويسهم في تحسين جودة الخدمات الحكومية واختصار الوقت والجهد على المواطنين والمقيمين.
وقال الخبير في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي م. هاني البطش: "المرحلة المقبلة لم تعد مرحلة "إطلاق الخدمات"، بل يجب أن تكون مرحلة تعظيم الأثر وتسريع التبني والتحول إلى منصة حكومية ذكية متكاملة".
وأكد أن نشر التطبيق بالشكل الأمثل وزيادة استخدامه يحتاج إلى: "حملة توعية شاملة" تعزز سلوك الاستخدام كثقافة وتزيد الثقة الرقمية، وهي أمور تُعد من التحديات الحقيقية في المرحلة القادمة.
من ناحية التطوير، يرى البطش أن الأولوية لم تعد فقط زيادة عدد الخدمات، بل تحسين تجربة المستخدم (User Experience) بشكل جذري، فالمواطن اليوم لا يقارن "سند" بخدمات حكومية أخرى، بل يقارنه بتطبيقات البنوك، وخدمات النقل، والتجارة الإلكترونية.
لذلك، فإن المطلوب هو الانتقال إلى نموذج "الخدمة الاستباقية" وليس فقط "الخدمة عند الطلب"، بحيث تبدأ المنصة بتقديم خدمات تلقائية للمواطن بناء على بياناته (مثل التذكير، التجديد، الاستحقاقات)، وهذا هو جوهر الحكومة الرقمية المتقدمة.
وعن إدخال الذكاء الاصطناعي، يجب ألا يكون شكليا، بل عمليا ومؤثرا، ويمكن توظيفه بحسب البطش في المساعدات الذكية (Chatbots) القادرة على حل مشاكل المستخدمين فورا، وتحليل شكاوى المواطنين واستخراج الأنماط لتحسين الخدمات، والتنبؤ بالضغط على الخدمات وتحسين الأداء، وتخصيص الخدمات لكل مستخدم حسب احتياجاته.
وأضاف البطش: "هناك تحدٍ أساسي آخر لا يمكن تجاهله، وهو ثقة المواطنين في الأمن السيبراني والخصوصية"، لافتا إلى أن هناك جزءا كبيرا من المواطنين لا يستخدمون "سند" ليس بسبب صعوبة التطبيق، بل بسبب القلق من اختراق الحسابات، أو تسريب البيانات الشخصية، أو تتبع الأنشطة أو المعاملات، أو الربط بين الجهات الحكومية بشكل قد يمس الخصوصية.
وقال: "إن هذا التحدي عالمي وليس محليا فحسب، لذا يجب على الحكومة التركيز على بناء الثقة الرقمية من خلال عدة خطوات: ضمان الشفافية التامة في استخدام البيانات، ونشر تقارير دورية حول الأمن السيبراني، واعتماد تقنيات متقدمة كالمصادقة متعددة العوامل (MFA)، ومنح المستخدم تحكما كاملا في بياناته، مع إطلاق حملات توعوية مبسطة حول طرق حماية البيانات".
ومن جهة أخرى، أكد البطش أهمية عدم إقصاء فئات كبار السن وذوي الإعاقة والأميين رقميا في مسيرة التحول الرقمي، مشددا على ضرورة تصميم واجهات استخدام فائقة البساطة، ودعم الأوامر الصوتية واللغة العربية المبسطة، وتوفير مراكز مساعدة ميدانية أو أكشاك رقمية، إضافة إلى التدريب المجتمعي وإشراك العائلة كمساعد رقمي معتمد.
وفيما يخص تسريع التبني، يرى البطش أن العائق ليس في الوعي بوجود التطبيق، بل في غياب "دافع الاستخدام"، حيث لن يبادر المواطن لاستخدامه إلا إذا كان الخيار الأسهل والأسرع.
ولتحقيق ذلك، اقترح ربط الخدمات الحيوية بالتطبيق، وتقديم حوافز تشجيعية، واعتماد مبدأ "الخدمات الرقمية أولا"، والتعاون مع البنوك وشركات الاتصالات لدمج الخدمات.
كما أشار إلى أن بناء شراكات مع القطاع الخاص سيحول "سند" من مجرد تطبيق حكومي إلى منصة لحياة رقمية متكاملة تزيد من وتيرة الاستخدام اليومي.
وبشأن المرحلة المقبلة، أوضح البطش ضرورة الانتقال بالتطبيق من منصة للخدمات إلى منظومة متكاملة، عبر إعادة هندسة الإجراءات (Re-engineering) بدلا من مجرد رقمنتها، والانتقال من تقديم الخدمة إلى توقع احتياجات المواطن، مع التحول من التركيز على التقنية إلى التركيز على تجربة المستخدم.
ووفقا لوزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، فإن تطبيق "سند" حاليا يقدّم مجموعة واسعة من الخدمات الحكومية الرقمية، أبرزها: إصدار وتجديد جواز السفر، وإصدار وتجديد دفتر العائلة، وإصدار الشهادات الرقمية للأحوال المدنية، وشهادة عدم المحكومية، وإصدار وتأجيل وثيقة خدمة العلم، وإصدار الشهادات المدرسية، وإصدار بدل فاقد أو تالف لرخصة المركبة، وإصدار شهادة حسن سيرة وسلوك، وتقديم الإقرار الضريبي، والاستعلام عن المخالفات ودفعها، وخدمات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والاستعلام عن ضريبة الأبنية والأراضي (المسقفات) ودفعها، إضافة إلى الوصول إلى الوثائق الرقمية للمواطنين.
كما أُتيحت رخصة المركبة للمقيمين وغير الأردنيين بشكل مباشر على الصفحة الرئيسة للتطبيق، بما يسهّل الوصول إليها، إلى جانب إضافة خدمات متكاملة تتعلق بالمركبات ومخالفات السير.
وفي جانب التمكين الرقمي، أتاح التطبيق إمكانية تغيير رقم الهاتف وإعادة تعيين كلمة المرور من خلال التحقق الإلكتروني (eKYC)، دون الحاجة لمراجعة أي جهة، بما يعزز سهولة الاستخدام وأمانه.
كما أصبح التطبيق متوفرا عبر متجر Huawei AppGallery إلى جانب App Store وGoogle Play، مع دعمه لأجهزة التابلت وiPad، ما يتيح تجربة استخدام أكثر مرونة لمختلف فئات المستخدمين.
الخبير في مضمار حوكمة البيانات والتحول الرقمي د. حمزة العكاليك يرى أن زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة الخميس الماضي، نقطة تحول مفصلية تتجاوز في أبعادها مجرد الجولات التفقدية التقليدية؛ فهي إعلان رسمي عن دخول الدولة الأردنية مرحلة النضج الرقمي السيادي، حيث لم يعد التحول الرقمي خيارا تقنيا بل ضرورة أمنية واقتصادية واجتماعية.
وقال العكاليك: "إن التركيز المكثف لسموه على منصة سند وبرنامج البيانات الوطني يعكس إدراكا عميقا بأن القوة الحقيقية للدول في القرن الحادي والعشرين تكمن في قدرتها على إدارة أصولها المعلوماتية وتحويلها إلى خدمات استباقية تمس حياة المواطن اليومية. فنحن اليوم أمام استحقاق وطني يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون ثورة حقيقية في إعادة هندسة الإجراءات التي تعد العمود الفقري لأي تحول رقمي ناجح يطمح للوصول إلى كافة شرائح المجتمع".
وعند تحليل المشهد الرقمي الأردني في عام 2026، قال العكاليك: "تبرز مفارقة إحصائية تستحق التوقف الطويل؛ فالأردن يمتلك بنية تحتية رقمية متطورة، إذ تصل نسبة نفوذ الإنترنت إلى 92.5 % من السكان مع وجود أكثر من 10.1 مليون اتصال خلوي فعال، ومع ذلك فإن عدد المفعّلين للهوية الرقمية عبر تطبيق سند ما يزال يمثل أقل من ثلث إجمالي مستخدمي الإنترنت الفعليين".
وقال: "هذا التباين يشير إلى أن العائق ليس تقنيا بحتا يتعلق بالوصول إلى الشبكة، بل هو عائق قيمة مضافة وثقة رقمية وسهولة وصول".
وأوضح أن البيانات تشير إلى أن الفجوة تكمن في ثلاث نقاط أساسية: فجوة المهارات الرقمية، وفجوة الابتكار في تجربة المستخدم، وفجوة الثقة في أمن البيانات، وعلى الرغم من أن 50.3 % من البالغين الأردنيين يستخدمون تطبيق سند بشكل أو بآخر، إلا أن هناك 49.2 % لم يطرقوا بوابته قط.
وعليه، فإن الوصول إلى الـ8 ملايين مستخدم إنترنت يتطلب استراتيجية تسويقية وتطويرية تتجاوز الإطار التقليدي، وتنتقل بالتطبيق من كونه خزانة وثائق رقمية إلى مساعد شخصي ذكي يستبق احتياجات المواطن قبل أن يطلبها.
وأكد العكاليك أن إعادة هندسة الإجراءات الحكومية ليست مجرد تحسين طفيف في العمليات القائمة، بل هي إعادة تصميم جذري للمسارات الإدارية لتحقيق طفرات هائلة في الأداء والسرعة والجودة".
وأضاف أن الأثر الاقتصادي والاجتماعي لإعادة هندسة الإجراءات يتجاوز توفير الوقت؛ فهو يسهم في تقليل التكاليف التشغيلية وتعزيز النزاهة من خلال تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وهو ما أكدته استطلاعات الرأي؛ حيث يرى 54 % من الأردنيين أن الخدمات الرقمية ساهمت في تقليل المحسوبية، و48.2 % يرون أنها كافحت الفساد، لذا فإن الاستثمار في إعادة الهندسة هو استثمار في السيادة الرقمية وبناء دولة رشيقة قادرة على التكيف مع متغيرات المستقبل نحو المساعد الذكي والخدمات الاستباقية.
وللانتقال بتطبيق "سند" من مرحلة التواجد إلى مرحلة التمكين الشامل، بحسب العكاليك، يجب على الحكومة التركيز خلال المرحلة المقبلة على المحاور الإستراتيجية التالية: حيث يجب أن يقوم التطبيق بإرسال تنبيهات ذكية قبل انتهاء الصلاحية مع توفير خيار التجديد بنقرة واحدة، وهذا يتطلب ربطا عميقا مع قواعد البيانات الموحدة، كما يجب أن يشهد ثورة في تجربة المستخدم (UX) وتبسيط الوصول، وتفعيل حزم الخدمات المتكاملة المرتبطة بالأحداث الحياتية، فضلا عن أهمية العمل بجد لبناء نموذج التحفيز والقيمة المضافة، والعمل على ربط الخدمات الحصرية بـ"سند"، والعمل على تعزيز الوعي بقانون حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني لتبديد مخاوف المواطنين بشأن خصوصية بياناتهم؛ وهو ما يعد حجر الزاوية في زيادة الإقبال.
من جانبه، أكد الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي أن سلوك المستخدم تجاه "سند" يتأثر بعدة عوامل هي: الوعي والإدراك؛ حيث إن هناك نقصا في فهم الفوائد العملية للتطبيق لدى قطاعات واسعة، خاصة كبار السن، وعامل الثقة والأمان؛ حيث إن المخاوف من حماية البيانات الشخصية تشكل عائقا، وسهولة الاستخدام (UX)؛ فأي تعقيد في الواجهة أو إجراءات التسجيل يقلل من الاستخدام، والقيمة الملموسة؛ حيث يحتاج المستخدمون إلى رؤية فوائد فورية عند الاستخدام (الوصول إلى خدمات أساسية بسرعة)، وأخيرا عامل الإلمام الرقمي؛ فرغم ارتفاع الإلمام لدى الشباب، إلا أن التحفيز على الانتظام في الاستخدام لم يتحقق بعد.
وعن التحديات التي تواجه التطبيق، يرى الصفدي أنها تتمثل في تحديات تقنية تشمل ضرورة وجود بنية تحتية قوية، وتكامل سلس بين الجهات الحكومية المختلفة، وتحديات اجتماعية منها مقاومة التغيير، وفجوة في المهارات الرقمية ما بين الفئات العمرية، وتحديات اقتصادية منها محدودية الأجهزة الذكية أو الإنترنت لدى بعض الفئات، فضلا عن وجود تحديات قانونية منها الحاجة لإطار قانوني يدعم الثقة بالهوية الرقمية والتوقيع الرقمي.
إلى ذلك، اقترح الصفدي إستراتيجية عملية للتسويق ورفع التبني وزيادة استخدام التطبيق تشمل: استهداف الجمهور المناسب وتتضمن حملة مركزة للفئة 18+ غير المفعّلة، والتحفيز السلوكي بدلا من التوعية فقط من خلال تقديم خدمات حصرية عبر "سند"، ومكافآت فورية، وتسهيل الوصول للخدمات، مع إستراتيجيات مخصّصة لكل فئة عمرية: مثل الشباب عبر ربط التطبيق بخدمات متعلقة بالعمل، والتعليم، والدفع الرقمي، والفئة المتوسطة عبر تسهيل الإجراءات الروتينية اليومية، وكبار السن عبر دعم مباشر وتدريب مبسط، وشراكات قوية مع القطاع الخاص: البنوك، وشركات الاتصالات، والتعليم.
وأكد أهمية وجود إجراءات لضمان استمرارية الخدمة تشمل بنية تحتية عالية الأداء وقابلية توسّع وأمنا سيبرانيا قويا، وخطط التعافي من الكوارث عبر إيجاد نسخ احتياطي، ومراكز بديلة، ونظم استعادة التشغيل، فضلا عن أهمية تكامل المدفوعات الرقمية: دعم الدفع داخل التطبيق بدون تحويلات خارجية، ودعم محافظ إلكترونية مثل Apple Pay وGoogle Pay (mobileidworld.com).