"صندوق الركاب".. من دعم التشغيل إلى تمويل تطوير النقل
الغد-محمود خضر الشبول
وسَّع نظام إدارة صندوق دعم نقل الركاب، الذي صدر في الجريدة الرسمية في السادس عشر من الشهر الحالي، أهدافه لتشمل تطوير مرافق نقل الركاب، ودعم الخدمات والعاملين فيها، والاستثمار في التكنولوجيا والتطبيقات الذكية، وشراء الأجهزة، وإنشاء مراكز لإدارة بيانات النقل، وتوفير نظام للتحصيل وإصدار بطاقات الدفع على المستوى الوطني.
وبموجب النظام، واستنادا إلى مقتضى الفقرة "هـ" من المادة "27" من قانون تنظيم نقل الركاب رقم (19) لسنة 2017، يُنشأ لدى هيئة تنظيم النقل البري صندوق يتمتع بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، ويمتلك صلاحية تملّك الأموال المنقولة وغير المنقولة، وإبرام العقود، وقبول الهبات والتبرعات، والتقاضي باسمه. وينص النظام على نقل جميع موجودات الحساب الخاص بعوائد نقل الركاب ومرافقه، القائم لدى أمانة عمّان الكبرى، إلى الصندوق، ليوفر قاعدة مؤسسية لجمع الموارد المخصصة لدعم النقل وإدارتها لدى جهة واحدة.
ويشكل صدور نظام إدارة صندوق دعم نقل الركاب رقم (38) لسنة 2026 خطوة تشريعية نحو إعادة تنظيم تمويل النقل العام في المملكة، من خلال توسيع دور الصندوق ليتجاوز تقديم الدعم المالي المباشر إلى إطار مؤسسي دائم يتيح تمويل تطوير الخدمات والمرافق والتقنيات الذكية، وتقديم المنح والقروض الميسرة والحوافز، مقابل إخضاع المستفيدين لمؤشرات أداء وآليات رقابة واسترداد واضحة.
من الدعم التشغيلي إلى التطوير
ويختلف النظام الجديد عن آلية الدعم السابقة في أنه لا يحصر دور الصندوق في تغطية جانب من الكلف التشغيلية، بل يوسع أهدافه لتشمل تطوير مرافق نقل الركاب، ودعم الخدمات والعاملين فيها، والاستثمار في التكنولوجيا والتطبيقات الذكية، وشراء الأجهزة، وإنشاء مراكز لإدارة بيانات النقل، وتوفير نظام للتحصيل وإصدار بطاقات الدفع على المستوى الوطني.
كما يتيح الصندوق تقديم المنح والقروض للمشغلين المرخص لهم، إلى جانب تمويل المشروعات المرتبطة بأهدافه، وهو ما يجعله أداة لتطوير القطاع وليس مجرد نافذة لتعويض المشغلين عن فروقات الكلفة.
أدوات تمويل متعددة
ومن أبرز ما أدخله النظام تنويع أدوات الدعم، إذ لم يعد التمويل مقتصرا على الدعم المباشر، وإنما أصبح يشمل المنح والقروض الميسرة والحوافز المالية. ويجوز تقديم الدعم المباشر دفعة واحدة أو على أقساط دورية، وفقا لطبيعة المشروع وأهدافه التشغيلية، على أن يقتصر على المستفيدين المرخص لهم والملتزمين بالمعايير التشغيلية والبيئية المعتمدة.
أما القروض الميسرة، فتُمنح للمؤهلين وفق أنظمة الإقراض المعتمدة، وبعد إعداد دراسة مالية متكاملة تحدد شروط السداد والفوائد، إن وجدت، مع اشتراط توفير ضمانات قانونية تكفل استرداد القرض عند الإخلال بشروطه.
ويشترط النظام أن تتضمن طلبات الاستفادة دراسة مالية وفنية تبين الجدوى الاقتصادية، والقدرة المالية للمستفيد، وحجم الخدمة، والتكاليف التشغيلية، ورأس المال المتوقع، وآلية التمويل ومدة التنفيذ.
ويمثل ذلك تحولا من منح الدعم بناء على الاحتياجات التشغيلية وحدها إلى تقييم جدوى المشروع وقدرته على تحقيق نتائج محددة، مع إمكانية استرداد القروض وإعادة توجيه الموارد إلى مشروعات أخرى.
الدعم مقابل النتائج
ويضع النظام، للمرة الأولى، إطارا واضحا لربط الحوافز بمؤشرات أداء تشغيلية وبيئية مسبقة، تشمل تحسين جودة الخدمة، وزيادة عدد الركاب، وتقليل الانبعاثات الكربونية.
وتحدد آليات منح الحوافز بقرارات تصدر عن لجنة إدارة الصندوق، وفقا لمعايير موضوعية قابلة للقياس، على أن تخضع هذه المعايير للمراجعة الدورية للتأكد من توافقها مع سياسات الصندوق وأهدافه.
وبموجب هذا التوجه، لا يقاس أثر التمويل بعدد الحافلات أو قيمة المبالغ المصروفة فقط، بل بمدى انعكاسها على انتظام الخدمة وجودتها، وقدرتها على استقطاب مزيد من المستخدمين، والالتزام بالمعايير التشغيلية والبيئية.
وفي المقابل، يمنح النظام الصندوق صلاحية وقف الدعم كليا أو جزئيا، أو استرداد الأموال المصروفة، أو إلغاء التسهيلات المالية، إذا أخفق المستفيد في الالتزام بمستوى الخدمة أو بشروط التمويل.
ومن الحالات التي تجيز التدخل انخفاض نسبة تشغيل الخدمات المقدمة إلى أقل من 50 % من المستوى المتفق عليه، من دون مبررات قانونية مقبولة، أو توقف الخدمة نهائيا، أو ارتكاب مخالفات تشغيلية جسيمة، أو فقدان الترخيص، مع إمكانية منح المستفيد مهلة لتصويب أوضاعه قبل اتخاذ القرار النهائي.
حوكمة الصندوق
وفي جانب الحوكمة، أسند النظام إدارة الصندوق إلى لجنة تتولى رسم السياسة العامة للصندوق، وإقرار الخطط والبرامج، وتحديد الفئات المستهدفة، ووضع معايير الدعم، والإشراف على إدارة الموارد، ودراسة الجدوى الاقتصادية للمشروعات، ومناقشة الموازنة السنوية والحسابات والتقارير الدورية.
كما تتولى اللجنة مراقبة التزام المستفيدين بشروط المنح والقروض، ومتابعة المشروعات الممولة، وإعداد التعليمات اللازمة لإدارة أعمال الصندوق، قبل عرضها على مجلس إدارة الهيئة لإقرارها.
واستحدث النظام وحدة لإدارة الصندوق داخل الهيئة، تتولى تنفيذ مهامه وإدارة أمواله وموارده، وإعداد التقارير المتعلقة بالمشروعات الممولة ومتابعتها وتقييمها، بما يفصل بين مسؤوليات رسم السياسات واتخاذ القرارات وبين أعمال التنفيذ والمتابعة اليومية، ووضع النظام أحكاما لتجنب تضارب المصالح.
رقابة على استخدام الأموال
ويخضع التمويل بموجب النظام للرقابة الدورية، مع تمكين الهيئة والجهة المختصة من مراقبة المشغلين المستفيدين للتحقق من التزامهم بشروط الدعم والقروض والحوافز، وطلب التقارير والمستندات وإجراء الزيارات الميدانية.
كما ألزم المستفيد بتقديم تقارير دورية تبين مدى تحقيق الأهداف التشغيلية المنصوص عليها في اتفاقية التمويل، وأجاز اتخاذ الإجراءات القانونية لاسترداد الأموال أو وقف التمويل المستقبلي عند ثبوت سوء استخدامه أو عدم تحقيق أهدافه. ويعد النظام أموال الصندوق أموالا عامة، يتم تحصيلها وفقا لقانون تحصيل الأموال العامة، وهو ما يمنح الصندوق أدوات قانونية لاسترداد المبالغ المستحقة وحماية موارده.
التحول الرقمي
ويشكل التحول الرقمي أحد أبرز محاور النظام، إذ سمح للصندوق بالاستثمار في التكنولوجيا والتطبيقات الذكية، وتمويل الأجهزة والتراخيص اللازمة، وإنشاء مراكز لإدارة بيانات نقل الركاب تشمل الخوادم والشاشات ومحطات العمل.
كما أتاح توفير نظام للتحصيل وإصدار بطاقات الدفع على المستوى الوطني والإشراف عليه، بما يمكن أن يسهم في توحيد وسائل الدفع، وتحسين دقة بيانات الرحلات والركاب والإيرادات ومستوى التزام المشغلين. وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة في ظل ربط الدعم بالأداء، إذ يوفر التحصيل الإلكتروني وأنظمة التتبع أساسا عمليا لقياس أعداد الركاب، والترددات المنفذة، ومستوى الانتظام، بدلا من الاعتماد على تقديرات غير موحدة.
مواءمة مع الخطط الوطنية
ويتقاطع النظام مع توجهات الخطة الإستراتيجية لقطاع النقل للأعوام "2024-2028"، التي تربط تطوير القطاع بدعم النشاط الاقتصادي والتجارة وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وتسعى إلى رفع كفاءة منظومة النقل وتعزيز موقع الأردن كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
وتتمثل مواءمة النظام مع هذه التوجهات في توفير إطار تمويلي لتطوير الخدمات والمرافق، ودعم التقنيات الذكية والدفع الإلكتروني، وتحفيز الاستثمار، ورفع جودة الخدمة، وإدخال مؤشرات الاستدامة البيئية ضمن معايير الحوافز. كما يدعم النظام الانتقال من تمويل المدخلات، مثل شراء الحافلات أو تغطية جزء من الكلف، إلى تمويل النتائج المتمثلة في زيادة الإقبال على النقل العام وتحسين الاعتمادية وتقليل الانبعاثات.
وبذلك، يوفر النظام إطارا قانونيا أكثر شمولا لإدارة دعم نقل الركاب، وسيعتمد أثره العملي على حجم الموارد التي ستتاح للصندوق، والتعليمات التي ستصدر لتنفيذ النظام، ودقة مؤشرات الأداء، وقدرة المشغلين، ولا سيما الصغار منهم، على إعداد دراسات الجدوى وتقديم الضمانات واستيفاء شروط التمويل.