أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    01-Oct-2026

"الخريطة الزراعية".. مطلب تنظيمي للنهوض بالقطاع الزراعي

 الغد-عبد الله الربيحات

 مع بداية كل موسم يزرع المزارع وهو يخمّن: كم سيزرع جاره من المحصول نفسه؟ وكم سيكون السعر يوم الحصاد؟ وهل سيكفيه الماء؟
الخريطة الزراعية والروزنامة الزراعية وُجدتا لإنهاء هذا التخمين، فهي تحدد ما يُزرع، وأين، ومتى، وبأي كمية، بحسب الماء والأرض وحاجة السوق.
 
 
ولكن التحدي ليس فقط زيادة الإنتاج، بحسب خبراء في القطاع الزراعي، بل أن ننتج ما يحتاجه السوق، في المكان والوقت والكمية المناسبة، وبأقل استهلاك ممكن للموارد، مبينين أن إعطاء الخريطة الزراعية والروزنامة الزراعية الأولوية قبل كل موسم، لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل جزءًا من حماية القطاع الزراعي وإدارة موارده، فالزراعة الحديثة لا تبدأ عند وضع البذرة في الأرض، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: بالمعلومة، ثم التخطيط، ثم القرار.
روزنامة تأشيرية للاستيراد
الخبير د. فاضل الزعبي، قال إن وزارة الزراعة أطلقت روزنامة تأشيرية للاستيراد، وهي خطوة سليمة، لكن الاستيراد نصف المعادلة فقط. أما نصفها الآخر، أي توجيه الإنتاج نفسه بخريطة وطنية معلنة، يلتزم بها المزارع والمؤسسة معًا، فما يزال متأخرًا عن حاجة البلد. والتأخير هنا ليس إجرائيًا، فكلفته تُدفع في ثلاثة أبواب.
الأول هو الماء، فالأردن من الدول الفقيرة مائيًا، والزراعة أكبر مستهلك للمياه فيه. وحين يتكدس المحصول نفسه في الموسم نفسه، فإننا لا نهدره فقط، بل نبدده على إنتاج ينهار سعره عند الحصاد. من هنا، فإن الخريطة الزراعية توجّه كل متر مكعب للمحصول والمنطقة الأعلى مردودًا، وتمنع سقاية فائض لا يشتريه أحد.
الثاني هو المدخلات، إذ ترتفع أسعار الأسمدة والطاقة والأعلاف والبذور عالميًا، ويشتريها المزارع منفردًا وبلا جدولة، فيدفع أعلى سعر في أسوأ توقيت. بينما التخطيط المسبق يتيح الشراء الجماعي عبر التعاونيات والتعاقد المبكر، ويقلل الفاقد، فتنخفض كلفة الدونم قبل بدء الموسم.
الثالث، هو الفرصة الضائعة: فللأسواق المجاورة طلب موسمي معلوم النوافذ والأصناف، بينما المنتج الذي يعرف متى تحتاج تلك الأسواق لكل صنف يزرع لها بعقد مسبق، أما من يزرع بلا روزنامة فيصل متأخرًا، ويجد الحصة قد ذهبت لمنافس أقدر على الالتزام بالموعد والكمية.
وقال الزعبي: إن الحل لا يحتاج معجزة، بل قرارًا وجهة مسؤولة. أولًا، باعتماد الخريطة والروزنامة رسميًا باعتبارهما مرجعًا وطنيًا للإنتاج، تتولاه جهة واحدة بالشراكة بين وزارتي الزراعة والمياه والمركز الوطني للبحوث الزراعية، مع مؤشرات أداء معلنة كل موسم. وربط الالتزام بها بحوافز فعلية: أولوية في حصص المياه والتمويل وبرامج الدعم لمن يزرع وفقها، ومن ثم إيصالها للمزارع قبل الموسم لا بعده، عبر تطبيق مبسّط ورسائل موجهة وتعاونيات وإرشاد زراعي، وربطها بعقود زراعية مسبقة مع مستوردين في الأسواق المجاورة، إذ يتحول الطلب الخارجي لضمان لسعر المزارع.
وبين الزعبي، أن الأردن لا يملك ترف انتظار المواسم بدون أن تكون هناك خريطة معتمدة، حتى يهدر ماء أكثر، ودفع كلفة أعلى.
معلومات وبيانات
من جهته قال المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة د. خالد خريسات، في كل موسم زراعي، يبدأ المزارع بالأسئلة نفسها: ماذا أزرع؟ وكم سيزرع الآخرون من المحصول نفسه؟ كيف سيكون الطلب والسعر عند الحصاد؟ وهل ستكفي المياه المتاحة لإكمال الموسم؟ ما يعكس تحديًا عميقًا، هو الاعتماد على "التوقعات" في قرارات يفترض بأن تقوم على معلومات وبيانات. وقد حكم هذا التخمين قراراتنا الإنتاجية لعقود، فكانت النتيجة اختناقات تسويقية، وانخفاضًا حادًا في الأسعار عند الحصاد، وإتلافًا لمحاصيل، واستنزافًا لمياه شحيحة أصلًا، في بلد فقير مائيًا.
وأضاف خريسات، من هنا تأتي أهمية الخريطة والروزنامة الزراعيين، فالخريطة تحدد الأماكن الأنسب لزراعة المحصول وفق التربة والمناخ وتوافر المياه، بينما تحدد الروزنامة متى وكم يُزرع ويُحصد، بما يتناسب مع حاجة السوق المحلي وفرص التصدير، عليه، فإن إعداد وتحديث الخريطة والروزنامة، يجب أن يبدأ قبل كل موسم بوقت كافٍ (3-6 أشهر)، بحيث تصبح البيانات جزءًا من القرار الزراعي، وليس توصيات تأتي بعد اتخاذه.
وأضاف أنه يجب أن يشمل ذلك تحليل المساحات المتاحة، والموارد المائية، والظروف المناخية، وحجم الإنتاج المتوقع، واحتياجات السوق وفرص التصدير. وهذا أكثر إلحاحًا في ظل شح المياه، والتغير المناخي، وتذبذب الأمطار، وتفتت الحيازات الزراعية، والحاجة لبيانات حديثة عن المساحات والإنتاج.
وقال خريسات، في قطاع يعتمد على مورد مائي محدود، لا يمكن أن يبدأ كل موسم من الصفر؛ فكل متر مكعب من المياه، يجب أن يذهب للمحصول الأكثر ملاءمة.
وقال خريسات، إن الأردن شهد السنوات الماضية محاولات مهمة يمكن البناء عليها، فقد طور المركز الوطني خرائط زراعية تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد، لتحديد ملاءمة الأراضي للمحاصيل وفق خصائص التربة والمياه والمناخ. لكن التحدي بقي في عدم تحويل هذه الخرائط في بعض الحالات من أدوات استرشادية إلى جزء مباشر من القرار الزراعي.
كما اعتمدت الوزارة الروزنامة الاستيرادية والتصديرية لتنظيم دخول محاصيل وفق مواسم الإنتاج المحلي وحماية المنتج الأردني في فترات الذروة، لكنها عالجت بدرجة أكبر الجانب التجاري، دون معالجتها للجانب الأهم، وهو كم يجب أن نزرع من البداية؟
وتضمنت الخطة الوطنية للزراعة المستدامة 2022-2025 توجهًا لتحديث السجلات الزراعية والتحول الرقمي، وتشجيع الزراعة التعاقدية، والتوجه نحو الزراعات الذكية والموفرة للمياه. كما كان هناك محاولات لدعم التعاونيات والتجمعات الزراعية للتعامل مع تفتت الحيازات وزيادة القدرة على إنتاج وتسويق كميات اقتصادية.
ولكن كل هذه الجهود، وفق خريسات، اصطدمت بتحديات كغياب الالتزام والربط بالحوافز، وبقاء خرائط وروزنامات في إطار استرشادي دون ربطها بالمياه أو التمويل أو الدعم. كما يضاف إلى ذلك تفتت الملكيات الزراعية، وتعدد القرارات الفردية للمزارعين، فضلًا عن نقص البيانات الحية والمحدثة التي توضح ما يُزرع فعليًا وأين وبأي مساحات. كما أن ارتباط زراعتنا بالأسواق المجاورة، يجعل تغيرات التجارة وحركة الحدود مؤثرين في التصدير والطلب.
وبين أن الروزنامة الزراعية أصبحت في العديد من الدول منظومة ذكية متكاملة، ففي هولندا يربط الإنتاج ببيانات الطلب المحلي والعالمي لحظة بلحظة عبر منصات رقمية. كما أطلقت الهند منصة (Agri-Stack) ومنحت كل مزارع هوية رقمية، مرتبطة بالصور الفضائية ونظم المعلومات الجغرافية، لتنبيهه مسبقًا لحجم المساحات المزروعة بالمحصول نفسه في منطقته. وتعتمد إسبانيا على الجمعيات التعاونية بإلزام المزارعين بعقود توريد محددة وفق روزنامة كل إقليم.
إقليميًا، بين خريسات أن مصر قدمت تجربة مهمة عبر "كارت الفلاح الذكي" تربط صرف المستلزمات الزراعية بالمساحات المزروعة فعليًا. وفي دول الخليج أُعيدت هيكلة الروزنامة على أساس البصمة المائية، للحد من المحاصيل التي تستهلك كميات مياه كبيرة. وهذا مؤشر على أن هناك فرصة حقيقية للتكامل بين دول المشرق العربي (الأردن والعراق وسورية ولبنان) في روزنامة مشتركة، تضمن انسيابية السلع وتجنب المنافسة الضارة في مواسم الذروة.
وأضاف أن الروزنامة الحديثة، ليست مجرد جدول لمواعيد الزراعة والحصاد، بل منظومة تربط المزارع بالأرض والمياه والسوق، وتستخدم البيانات والاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية لتحسين القرار، فبدلًا من أن يعرف المزارع بوجود فائض بعد الزراعة، يمكنه معرفة مستوى المخاطرة وحجم الإنتاج والطلب المتوقع قبل الزراعة. وهنا يكمن جوهر التحول: أن تصبح البيانات جزءًا من القرار الزراعي قبل بدء الإنتاج، وليس بعد انتهائه.
لذلك، ولفقه، نحتاج لسجل زراعي رقمي موحد، يربط الحيازات بالمعلومات الجغرافية، ولمنصة سهلة الاستخدام تقدم للمزارع معلومات عن الطلب والإنتاج المتوقع، واحتمالات الفائض أو النقص. وهذا يتطلب ربط الخريطة والروزنامة بإدارة المياه والحوافز والتمويل، والتوسع بالزراعة التعاقدية لربط المزارعين بالمصانع والمصدرين والأسواق قبل بدء الإنتاج، والأهم أن تكون هذه الأدوات متحركة وقابلة للتحديث، فالزراعة والأسواق والمناخ ليسوا ثابتين.
وبين خريسات، يجب أن عليها الاعتراف بأننا نمتلك تنوعًا جغرافيًا ومناخيًا مهمًا، كما راكمت مؤسساتنا الوطنية خبرات وبيانات وخرائط يمكن البناء عليها، والمطلوب ليس مزيدًا من الدراسات المنفصلة، وإنما تجميع ما هو موجود وتطويره ضمن منظومة واحدة، تنقل الخريطة والروزنامة من أدوات استرشادية إلى تخطيطية مرتبطة بالمياه والتمويل والحوافز والتسويق.
وقال خريسات، إن التحدي يكمن بإنتاج ما يحتاجه السوق في المكان والوقت وبالكمية المناسبة، وبأقل استهلاك ممكن للموارد، مبينًا أن إعطاء الخريطة أو الروزنامة أولوية قبل كل موسم ليس خيارًا تنظيميًا، إنما جزء من حماية القطاع الزراعي وإدارة موارده، فالزراعة الحديثة تبدأ بالمعلومة، ثم بالتخطيط، فالقرار.
التطبيق على الأرض
بدوره قال الخبير سمير سليمان، إن قرار الزراعة يُتخذ قبل أشهر من وصول المحصول للسوق، وخلالها قد تتغير المساحات المزروعة، وحجم الإنتاج المتوقع، والأسعار، والطلب، وحتى الظروف المناخية، لذا فالاعتماد على تجربة الموسم السابق، أو توقعات المزارعين وحدها، لا يوفر دائمًا الصورة الكاملة التي يحتاجها القرار.
وأضاف سليمان، إنه من هنا تبدأ أهمية قاعدة البيانات الزراعية المتكاملة والمحدثة، التي تجمع معلومات عن المساحات والمحاصيل والإنتاج والموارد المائية والمناخ وحركة الأسواق، مبينًا أن قيمة هذه البيانات تكمن بتحويلها لقرارات قابلة للتنفيذ: أي أن تحدد أين يزرع المحصول، ومتى، وبأي مساحة وكمية، وما حجم المياه المتاحة له، وما فرص تسويقه؟
وأشار إلى أنه ووفق هذه المعلومات، تُبنى الخريطة الزراعية لتحديد ملاءمة المحاصيل للمناطق المختلفة، ثم تأتي الروزنامة لترجمة هذه المعطيات لتوقيتات وكميات وإرشادات. وهنا تنتقل البيانات من قاعدة معلومات إلى أداة تخطيط، ومن التخطيط إلى قرار يستطيع المزارع تطبيقه في أرضه.
وقال سليمان إنه لكي لا تتوقف العملية عند إصدار الخريطة أو الروزنامة، يبرز دور الجهات المعنية بالقطاع بتحديث المعلومات بصورة مستمرة، وتنسيقها بين المؤسسات، وإيصال التوصيات للمزارعين، ثم متابعة ما يجري فعليًا في الحقول والأسواق ومقارنة النتائج بما كان مخططًا له. فالتنفيذ والمتابعة يعيدان بدورهما بيانات جديدة للمنظومة، لتتحسن القرارات في الموسم التالي.
أما المزارع، فهو الحلقة التي تتحول عندها المعلومات لفعل. وهو يقرر ماذا يزرع، والمساحة التي يخصصها، وموعد الزراعة، وكيف يدير المياه والمدخلات. وكلما حصل على معلومات واضحة في الوقت المناسب، أصبح قادرًا على مواءمة قراره مع ظروف أرضه وموارده ومعطيات السوق، بدل أن يعتمد فقط على التوقع أو تجربة الموسم السابق.
وأضاف أن هذا الربط مهم لأن الإنتاج الزراعي لا ينتهي عند الحصاد، فقد يكون المحصول مناسبًا للأرض والمناخ، لكن إنتاجه بكميات تفوق قدرة السوق على الاستيعاب قد يؤدي لانخفاض الأسعار وارتفاع الفاقد. لذلك يجب أن تدخل مؤشرات الطلب والتخزين والتصنيع والتسويق والتصدير في التخطيط منذ البداية، لا بعد وصول المحصول للسوق.
كما أن محدودية المياه تجعل الانتقال من البيانات للتنفيذ أكثر أهمية، فالمعلومة عن الاحتياجات المائية للمحصول، لا تحقق أثرًا إذا لم تنعكس على اختيار المحصول وموقعه ومساحته وطريقة ريه. وهنا يصبح التخطيط أداة لربط القرار الزراعي بقدرة الموارد على تحمّل الإنتاج.
وقال سليمان إنه لا يمكن إلغاء المخاطر في الزراعة، لكن يمكن تقليل مساحة المفاجآت. والخطوة العملية تبدأ بتحويل البيانات الزراعية لتوصيات موسمية واضحة، تُحدّث بانتظام وتصل للمزارع قبل موعد الزراعة، لتحدد المحاصيل المناسبة، والمساحات المقترحة، واحتياجاتها المائية، ومؤشرات الطلب والتسويق. ثم تُتابع النتائج في الموسم وبعد الحصاد، لتُحدّث البيانات وتُراجع التوصيات للموسم التالي.
وبين أنه بهذه الحلقة، يصبح التخطيط الزراعي عملية مستمرة: بيانات تُحلل، وقرارات تُنفذ، ونتائج تُقاس، ثم معلومات جديدة تُبنى عليها قرارات الموسم المقبل، مبينًا أن الهدف ليس أن نعرف ماذا حدث بعد الزراعة، بل أن نستخدم البيانات قبلها لاتخاذ قرار أفضل.