لمواجهة أعباء المعيشة.. زيادة رواتب تقاعد "الضمان" استحقاق ملح
الغد-هبة العيساوي
تتزايد الدعوات لرفع الحد الأدنى لرواتب التقاعد في الضمان الاجتماعي مع تحسن المؤشرات المالية للصندوق وارتفاع موجوداته خلال الفترة الأخيرة.
وتؤكد الآراء أن المراجعة الدورية للحد الأدنى أصبحت استحقاقا قانونيًا واجتماعيًا، خصوصًا مع تآكل القدرة الشرائية بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة المستمرة.
كما يشدد خبراء على ضرورة تحقيق توازن بين الاستدامة المالية للضمان والعدالة الاجتماعية، عبر تحسين الرواتب المتدنية بما يضمن حياة كريمة للمتقاعدين وأسرهم.
تساؤلات مشروعة
في هذا الصدد، قال خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي إن ارتفاع موجودات الضمان الاجتماعي إلى نحو (19.2) مليار دينار مع نهاية الربع الأول من عام 2026، ونموها بنسبة (2.8 %)، يطرح تساؤلات مشروعة حول ما الذي يمنع رفع الحد الأدنى لراتب تقاعد الضمان الاجتماعي في ضوء هذه المؤشرات المالية الإيجابية.
وأضاف الصبيحي أن تأجيل البت في مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان، إلى جانب الاستحقاق القانوني الوارد في المادة (89/أ) من قانون الضمان، يعيد التأكيد على ضرورة إعادة النظر بالحد الأدنى الأساسي لراتب التقاعد وراتب الاعتلال، باعتبار أن القرار يُتخذ من مجلس الوزراء بناءً على تنسيب من مجلس إدارة مؤسسة الضمان.
وتابع أن التفهّم للوضع المالي الحذر لمؤسسة الضمان لا يتعارض مع حقيقة أن رفع الحد الأدنى بات استحقاقًا قانونيًا وإنسانيًا واجتماعيًا، هدفه تقليص الفجوة في الرواتب المتدنية جدًا والوصول بها إلى مستوى أقرب إلى الكفاية الاجتماعية.
وأشار إلى أن رفع الحد الأدنى بنسبة معقولة، مثل (20 %)، يمكن أن يشكّل خطوة عملية لتحسين معيشة عشرات الآلاف من المتقاعدين، خصوصًا أن مشروع القانون المعدّل تضمّن نصًا يقضي بألا يقل راتب التقاعد الإجمالي عن (200) دينار، لافتًا إلى أن عدد المتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن هذا الحد يتجاوز 30 ألف متقاعد.
وختم بالقول إن اتخاذ هذا القرار اليوم قبل الغد، دون تأجيل أو تسويف، يعكس التوازن المطلوب بين الاستدامة المالية للضمان وبين العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
ضرورة اجتماعية
من جانبه، رأى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، أن زيادة الرواتب التقاعدية المتدنية لمتقاعدي الضمان الاجتماعي وللورثة المستحقين من بعدهم تُعدّ ضرورة اجتماعية واقتصادية ملحّة، وليست مجرد مطلب مالي أو إداري، مشيرًا إلى أن هذه الرواتب في كثير من الحالات لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، من غذاء ودواء وسكن وطاقة وخدمات أساسية.
وأضاف عوض أن الراتب التقاعدي يجب أن يضمن حدًا مقبولًا من الحياة الكريمة للمتقاعد، لا أن يضعه في دائرة القلق والهشاشة بعد سنوات طويلة من العمل والمساهمة في الاقتصاد الوطني، لافتًا إلى أن هذا المبدأ يرتبط بفلسفة الضمان الاجتماعي ومسؤولية الدولة في حماية كبار السن والفئات الأضعف، ومنع تحول مرحلة التقاعد إلى حالة فقر أو عوز.
وتابع أن الضمان الاجتماعي يمثل العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية في الأردن، وأداة أساسية للحد من الفقر وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، معتبرًا أن انخفاض الرواتب التقاعدية لبعض الفئات يكشف عن خلل يستوجب معالجة ضمن رؤية وطنية متكاملة توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
وأشار إلى أهمية أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في دعم صندوق الضمان الاجتماعي لتمكينه من تحسين الرواتب التقاعدية المتدنية دون المساس باستدامته المالية على المدى الطويل، مؤكدًا أن تعزيز الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن يكون على حساب سلامة النظام التأميني، كما أن الحفاظ على الاستدامة لا يجوز أن يُستخدم مبررًا للإبقاء على رواتب لا تكفل حياة كريمة.
واختتم بالقول إن إنصاف المتقاعدين ذوي الرواتب المنخفضة يمثل استثمارًا في الكرامة الإنسانية، وفي تعزيز الثقة بمنظومة الضمان الاجتماعي، وفي دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
أهمية المراجعة
بدوره، قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة إن مراجعة الحد الأدنى لراتب تقاعد الضمان الاجتماعي باتت ضرورة ملحة في ظل التطورات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن المادة (89) من قانون الضمان الاجتماعي تنص على إعادة النظر في الحد الأدنى كل خمس سنوات، علما أن آخر تعديل جرى عام 2020.
وأضاف أبو نجمة أن القانون، رغم عدم ربطه صراحةً بين هذه المراجعة ومعدلات التضخم أو كلف المعيشة، فإنه يفترض أن تعكس أي مراجعة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، لأن تجاهل تأثير التضخم يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للحد الأدنى ويضعف قدرة المتقاعدين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وتابع أن رفع الحد الأدنى لراتب التقاعد يمثل خطوة ضرورية لضمان حد أدنى من الكرامة والحياة الكريمة للمتقاعدين، موضحًا أنه إذا تم الاعتماد على متوسط معدلات التضخم خلال السنوات الخمس الماضية والبالغ نحو 2.46 % سنويًا، فإن الزيادة التراكمية المفترضة قد تصل إلى حوالي 13 % على الأقل.
وأشار في المقابل إلى أن الاعتماد على التضخم وحده قد لا يكون كافيًا أو منصفًا، معتبرًا أن مؤشرات كلف المعيشة أكثر دقة وملاءمة لأنها تعكس بصورة أقرب احتياجات ذوي الدخل المحدود مقارنة بمؤشر التضخم العام الذي يشمل سلعًا وخدمات لا تمس هذه الفئة بشكل مباشر.