فجوة الراتب ما تزال قائمة بين الذكور والإناث في القطاعين
الغد-هبة العيساوي
حذر خبراء ومختصون بقضايا العمل من اتساع فجوات الأجور في سوق العمل، مؤكدين أن استمرار تدني الأجور مقارنة بكلف المعيشة يهدد الاستقرار الاجتماعي ويضعف القدرة الشرائية للأسر، بخاصة مع تنامي ظاهرة العمالة الفقيرة.
وأشاروا إلى أن العدالة بالأجور لا تعني فقط رفع الحد الأدنى، بل تشمل أيضا ربطه بكلفة المعيشة وتطبيق مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، ومعالجة الفجوة بين الجنسين داخل سوق العمل.
ودعوا إلى سياسات ضريبية أكثر عدالة، وتنظيم أفضل لفوارق الأجور داخل المؤسسات، وتعزيز دور النقابات والرقابة لضمان تطبيق فعلي للتشريعات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
فجوة بين الأجور وكلف المعيشة
بدوره قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة، إن قضية الأجور أصبحت مسألة اقتصادية واجتماعية تمس استقرار المجتمع ومسار النمو، في ظل اتساع الفجوة بين الأجور وكلف المعيشة وارتفاع مستويات العمالة الفقيرة.
وأوضح أن الأجر لم يعد مجرد مقابل للعمل، بل معيارا أساسياً للكرامة والاستقرار الأسري، مشيراً إلى أن استمرار تدني الأجور يضعف القدرة الشرائية للأسر ويعمق الضغوط المعيشية، خصوصا مع ارتفاع تكاليف السكن والنقل والغذاء والطاقة.
وأكد أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يُراجع بشكل دوري ويُربط بكلفة المعيشة الفعلية وليس بمعدلات التضخم فقط، بما يضمن تحقيق عدالة أكبر للعاملين، وتعزيز مبدأ "الأجر المتساوي عن العمل المتساوي" والحد من الفجوة بين الجنسين في سوق العمل.
وأشار إلى أن الاعتماد على الأجور المنخفضة كميزة تنافسية يمثل نهجاً قصير الأجل، لأن النمو الاقتصادي المستدام يحتاج لقوة استهلاك محلي وأجور عادلة تدعم الطلب.
ولفت إلى أن ضعف الأجور مرتبط أيضاً بانتشار الاقتصاد غير المنظم ونماذج أعمال منخفضة القيمة، داعياً إلى رفع الإنتاجية عبر التدريب والتكنولوجيا وتحسين بيئة العمل، وليس عبر تثبيت الأجور المتدنية.
وأكد على أن استمرار هذا الواقع يهدد الاستقرار الاجتماعي ويعمّق التفاوت، داعيا إلى سياسات شاملة للأجور تضمن كرامة العامل وتدعم العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي المستدام.
تفعيل سياسات أكثر عدالة
بدوره قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، إن معالجة فجوات الأجور تتطلب تفعيل سياسات أكثر عدالة، أبرزها رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع كلفة المعيشة، وتطبيق نظام ضريبي تصاعدي يشمل مختلف شرائح الدخل، وليس فقط الطبقة الوسطى، لتقليص اللامساواة وتعزيز التوازن الاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح أن وضع معايير تحدد الفجوة بين أعلى وأدنى أجر داخل المؤسسة الواحدة تُعد من أكثر القضايا إشكالية في الاقتصادات العالمية، خاصة في ظل توسع اقتصاد السوق وما ينتج عنه من تفاوت كبير في مستويات الدخل.
وأشار إلى أن بعض التجارب الدولية تقترح أن تكون الفجوة بين أقل وأعلى أجر ضمن نطاق يتراوح بين 10 إلى 15 ضعفاً، في إطار تعزيز العدالة الاجتماعية، بينما تُظهر بعض المؤسسات في الأردن فجوات واسعة جدا قد تصل إلى 100 ضعف، وأحياناً إلى 500 أو حتى 1000 ضعف.
وحذر من أن هذه الفجوات الكبيرة تهدد الاستقرار الاجتماعي وتعمّق اللامساواة الاقتصادية، لافتاً إلى أن ضعف التنظيمات النقابية يساهم بتفاقم المشكلة نتيجة محدودية دورها بضبط اتفاقيات العمل الجماعية.
وأكد أن الحد من هذه الفجوات يتطلب تدخلا حكوميا يضع أطرا تنظيمية لنسب الأجور داخل المؤسسات وفق طبيعة القطاعات، بما يضمن عدالة أكبر في توزيع الدخل ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
تراجع العدالة الاجتماعية
من جانبه قال الناشط في حقوق العمال حاتم قطيش، إن العدالة الاجتماعية وترسيخ المساواة والقضاء على التمييز بكافة أشكاله تمثل الغايات الأساسية للنقابات العمالية، مشيراً إلى أن أبرز مظاهر تراجع العدالة الاجتماعية يظهر في عدم المساواة في الأجور داخل سوق العمل.
وأوضح أن الأجر يجب أن يحدد بناء على قيمة العمل وليس على أساس الجنس أو الجنسية أو أي شكل من أشكال التمييز، لافتاً إلى أن الاتفاقيات الدولية أكدت هذا المبدأ بهدف تضييق فجوات الأجور وتعزيز العدالة في بيئة العمل.
وأكد، أن وجود التشريعات وحده لا يكفي، رغم أن الأردن صادق على اتفاقيات دولية تتعلق بالمساواة في الأجور، إلا أن الفجوة ما تزال قائمة بين الذكور والإناث في القطاعين العام والخاص، وتصل إلى نحو 16 % وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة.
وأشار إلى أن هذه التشريعات بحاجة لتطبيق فعلي ورقابة صارمة لمنع التحايل عليها، وحماية العمال والعاملات من أي شكل من أشكال التمييز، سواء بسبب ضعف الوعي أو ضعف أدوات الإنفاذ.
وشدد على أن دور النقابات العمالية أساسي في مواجهة هذه الفجوات عبر التواصل المباشر مع العمال، ورصد حالات عدم المساواة، والتفاوض الجماعي باسمهم مع أصحاب العمل للوصول إلى عقود عمل تضمن إزالة التمييز في الأجور داخل المنشآت.
وختم بالتأكيد على أن فعالية العمل النقابي تتطلب نقابات ديمقراطية وقوية تنبع من العمال وتمثلهم بصدق، لأن ضعف هذه النقابات يفسر استمرار فجوات الأجور وبقاء أشكال التمييز دون معالجة حقيقية.