"اقتصاد الفعاليات".. كيف يشكل رافدا جديدا للسياحة والأعمال في العقبة؟
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة - لم تعد الفعاليات والمؤتمرات والحفلات الفنية التي تستضيفها العقبة مجرد أحداث ترفيهية أو مناسبات موسمية، بل أصبحت جزءا من حركة اقتصادية تنعكس آثارها على قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات والإنتاج الفني والتقني.
ومع تنامي أجندة الفعاليات في المدينة، والاستعداد لاستضافة معرض ومؤتمر "سوفكس 2026"، إلى جانب فعاليات "أمواج+" والمنتديات والمؤتمرات المتخصصة، تتجه العقبة إلى تعزيز حضورها كوجهة تستفيد من اقتصاد الفعاليات في تنشيط السياحة والأعمال وزيادة إنفاق الزوار، وسط تعويل على حجم القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها المدينة من هذه الأحداث وقدرتها على تحويلها إلى أثر مستدام يعود على الاقتصاد المحلي.
ومعروف أن العقبة تميزت تاريخيا كوجهة سياحية مطلة على البحر الأحمر، لكنها اليوم تمضي في اتجاه تحويل الفعاليات إلى محرك اقتصادي شامل. ورغم أنه لا يوجد رقم موحد يقيس الأثر الاقتصادي الإجمالي لجميع فعاليات المدينة حتى الآن، فإن المؤشرات تؤكد أن قطاع الفعاليات أصبح جزءا متناميا من منظومة السياحة والأعمال في العقبة، عبر سلسلة من حلقات الإنفاق التي تشمل الإقامة في الفنادق، والتنقل داخل المدينة، وتناول الطعام، والتسوق، والخدمات اللوجستية، والإنتاج الفني والتقني، والترويج السياحي.
وتقود سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة هذا التحول من خلال روزنامة فعاليات العقبة 2026، التي تجمع فعاليات ثقافية وترفيهية ورياضية ومنتديات أعمال ومبادرات سياحية ومجتمعية، وتروج لها ضمن أجندة موحدة. كما أطلقت السلطة "أمواج+" كفئة متخصصة بالحفلات الفنية الكبرى والفعاليات الترفيهية الحية، في خطوة لتنويع المنتج السياحي ورفع وتيرة الحركة الاقتصادية على مدار العام.
منصة للأعمال والاستثمار
ويقول خبراء التنمية والاقتصاد: إنه لا يجوز النظر إلى زائر فعالية دولية باعتباره حضورا سطحيا، فالزائر القادم من خارج العقبة يحتاج إلى مكان للإقامة، ويتنقل داخل المدينة، ويستهلك الطعام، ويشتري من الأسواق، وربما يضيف إلى برنامجه زيارة سياحية أو نشاطا ترفيهيا يمدد دوره في الدورة الاقتصادية، مؤكدين أن الأثر الاقتصادي للفعالية يتسع ليشمل سلسلة القيمة كاملة، وليس الإيرادات المباشرة فقط، في حين أشاروا إلى أن الإقامة والتنقل والمطاعم والتسوق والخدمات والإنتاج الفني والتقني والترويج السياحي جميعها تقف كعوامل مؤثرة في قيمة الإنفاق الكلية للزائر.
وبحسب الخبير الاقتصادي محمد المغربي، فإن اقتصاد الفعاليات يتسم بتأثيره المتسلسل، فالدينار الذي ينفقه الزائر على تذكرة فعالية لا يمثل كل القيمة الاقتصادية، وإنما يتبعه إنفاق على الإقامة والنقل والطعام والتسوق والخدمات، لذا يجب قياس الأثر وفق سلسلة القيمة الكلية، وليس وفق الإيرادات المباشرة للمنظم فقط. كما أن العقبة تمتلك ميزة تنافسية مهمة، فهي مدينة سياحية وميناء ومنطقة اقتصادية في آن واحد، وهذا يجعلها قادرة على تحويل الفعاليات إلى منصة للأعمال والاستثمار، وليس مجرد نشاط موسمي.
وفي الجانب الفني، تتعاظم أهمية الفعاليات الغنائية الكبرى كجزء من المشهد السياحي للعقبة، مع توجه المدينة نحو استقطاب فنانين ونجوم عرب، وتحويل الحفلات إلى جزء من تجربة الزائر. ومهرجان أمواج يعود في 2026 ببرنامج فني وترفيهي، إضافة إلى منصة "أمواج+" التي ترسخ الحضور الفني كعنصر رئيس في الترويج واستدامة الحركة الاقتصادية.
في السياق، قال الفنان السعودي خالد عبد الرحمن، بعد حفلة له خلال مهرجان "أمواج+"، إن العقبة مدينة تمتلك مقومات تجعل الفنان والزائر جزءًا من تجربة متكاملة، مشيرا إلى أنه عندما يأتي الجمهور لحضور حفلة، فهو لا يأتي للموسيقى وحدها، بل يعيش أجواء المدينة والبحر والضيافة والسياحة، بينما أكد كذلك أن وجود الفنانين العرب يعمق المعرفة بالمدينة لدى جمهور واسع في المنطقة، ويجعل الموسيقا جسرا حقيقيا للترويج للسياحة الأردنية.
من جهته، يؤكد مفوض شؤون السياحة والشباب في سلطة العقبة الدكتور ثابت النابلسي أن الاستثمار في الفعاليات جزء من إستراتيجية تنويع المنتج السياحي، مشيرا إلى أننا لا ننظر إلى الفعالية كحدث ينتهي مع نهاية البرنامج، وإنما كأداة لتحريك قطاعات اقتصادية متعددة، وزيادة أعداد الزوار، وإطالة مدة الإقامة، وتنشيط الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات، في حين لفت إلى أن الهدف هو أن تبقى العقبة حاضرة طوال العام، والانتقال من فكرة المواسم إلى أجندة مستمرة من الفعاليات التي تخدم السياحة والأعمال والمجتمع المحلي.
وأكد النابلسي أنه لهذه الرؤية جاءت "رزنامة فعاليات العقبة 2026" لتوحيد الجهود وترويج المدينة كوجهة متكاملة للفعاليات، مشيرا إلى أن إطلاق "أمواج+" يأتي ضمن إستراتيجية لتنويع المنتج السياحي وجذب فعاليات نوعية ترفع أعداد الزوار وتنعش الحركة الاقتصادية.
مؤتمر "سوفكس 2026"
ومع ترقب استضافة معرض ومؤتمر "سوفكس 2026"، ستأخذ صناعة الفعاليات في العقبة أبعادا دولية إضافية، لا سيما أن الحدث يجمع صناع القرار والوفود والشركات والخبراء في قطاعات متخصصة، عبر ثلاثة أيام من اللقاءات، والفرص التي تتيحها تتخطى الحضور إلى فرص استثمار وشراكات وخدمات محلية وترويج متبادل. والقاعدة هي أن الحدث الدولي يقدم جمهورا ذا مقاصد أعمال محددة، ما يجعل قاعاته بوابة إلى قطاعات أخرى، لا سيما الفنادق والطيران والنقل والمطاعم والخدمات اللوجستية والإنتاج الإعلامي.
وقال الخبير في القطاع السياحي أسامة أبو طالب، إن استضافة العقبة لمعرض "سوفكس 2026" يجب ألا تقاس فقط بحجم الحضور والإشغال الفندقي، وإنما بقدرة المدينة على تحويل هذه الفعاليات إلى اقتصاد مستدام يخلق قيمة محلية وفرصا جديدة للأعمال والاستثمار، مشيرا إلى أن مفهوم اقتصاد الفعاليات يتجاوز تنظيم المؤتمرات والمعارض إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة تستفيد منها الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والخدمات والقطاعات السياحية، بينما شدد على أهمية قياس حجم الإنفاق الذي يبقى داخل الاقتصاد المحلي، ومدى استفادة الشركات والموردين المحليين من هذه الفعاليات.
وأكد أبو طالب أن "سوفكس" يمثل كذلك فرصة لتسويق العقبة والأردن كوجهة آمنة ومستقرة للأعمال والاستثمار، خصوصا في ظل الظروف الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، لافتا إلى أن الأمن والاستقرار أصبحا اليوم عنصرًا أساسيًا في تنافسية الوجهات السياحية والاستثمارية.
كما أكد ضرورة بناء رزنامة سنوية متكاملة للفعاليات في العقبة، بما يسهم في معالجة الموسمية السياحية وتحويل المدينة إلى مركز إقليمي للمؤتمرات والمعارض والفعاليات الرياضية والثقافية والترفيهية.
وبين أبو طالب أن نجاح "سوفكس" الحقيقي لا ينتهي بإغلاق أبواب المعرض، بل يبدأ بما يتركه من أعمال وشراكات واستثمارات وسمعة دولية، مؤكدا أن التحدي أمام العقبة لم يعد في قدرتها على استضافة الأحداث الكبرى، وإنما في حجم القيمة الاقتصادية التي تستطيع صناعتها من كل حدث واستدامتها بعد انتهائه.