التمور.. من زراعة تقليدية لصناعة تصديرية
الغد-حابس العدوان
وادي الأردن- في الوقت الذي شهد فيه قطاع النخيل في المملكة خلال العقدين الأخيرين تحولا إستراتيجيا من زراعة تقليدية إلى صناعة زراعية واعدة كبرى تتصدر الخريطة الاستثمارية والتصديرية للبلاد، يؤكد معنيون أن قطاع النخيل في وادي الأردن بات يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الزراعي في المملكة، وحجر زاوية للمحافظة على رقعة الأراضي الزراعية وتنمية المجتمعات المحلية، مشددين على أهمية بناء جسور التعاون بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الدولية لتدعيم سلاسل القيمة وتسهيل عمليات التصدير، مع التركيز على الممارسات الزراعية المستدامة وإدارة الموارد المائية والتكيف مع التغيرات المناخية لتعزيز دوره المحوري في دعم الاقتصاد الوطني.
وخلال انطلاق فعاليات يوم جني وحصاد التمور الأردنية يوم أمس الأربعاء، بين وزير الزراعة صائب خريسات، أن قطاع النخيل والتمور يشكل أحد القطاعات الزراعية الواعدة في المملكة، لما يتمتع به المنتج الأردني من جودة ومواصفات وقدرة على المنافسة، مؤكدا أن دعم المزارع الأردني وتطوير القطاع الزراعي يمثلان أولوية لدى وزارة الزراعة، إذ إن مسؤولية الوزارة لا تقتصر على دعم الإنتاج الزراعي، وإنما تمتد إلى الارتقاء بجودة المنتجات، وتعزيز التسويق والتصنيع الزراعي والقيمة المضافة، وفتح مزيد من الأسواق أمام المنتجات الزراعية الأردنية، بما يسهم في رفع قدرتها على المنافسة وتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية.
وأضاف أن من الأهمية بمكان تطوير سلاسل القيمة في قطاع التمور والاستفادة من فرص التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والتسويق بما يرفع القيمة المضافة للمنتج الأردني ويعزز فرصه التنافسية، مؤكدا أن الوزارة تواصل دعم مختلف القطاعات الزراعية بما يسهم في تحقيق التنمية الزراعية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي.
من جهته، أكد رئيس الوزراء الأسبق عدنان بدران أن تطوير زراعة النخيل وإدامة نجاح قطاع التمور الأردني يتطلبان شراكة متكاملة بين مختلف القطاعات والمؤسسات ذات العلاقة، مشيرا إلى أهمية تكامل جهود المركز الوطني للبحوث الزراعية والجامعات ووزارة الزراعة وسلطة وادي الأردن، إلى جانب المزارعين والجمعية الأردنية للتمور ونقابة المهندسين الزراعيين، بما يضمن توظيف البحث العلمي والتقنيات الزراعية الحديثة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في خدمة القطاع.
رفع الإنتاجية والجودة
وقال: "إن هذا التعاون يشكل فريقا متكاملا قادرا على رفع الإنتاجية والجودة وتعزيز القدرة التنافسية للتمور الأردنية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، بما يسهم في توسيع الأثر الاقتصادي والاجتماعي لزراعة النخيل في الأردن".
أما رئيس جمعية التمور الأردنية، الدكتور أنور حداد، فقال: "إن قطاع النخيل والتمور في وادي الأردن ووادي عربة لم يعد مجرد نشاط زراعي تقليدي، بل أصبح اليوم أحد أهم المحركات الأساسية للاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي في المملكة".
وأضاف: "رؤيتنا القادمة تتطلب ترسيخ شراكة إستراتيجية حقيقية تجمع بين القطاعين الخاص والعام والمؤسسات الدولية والإقليمية، لأن بناء الجسور هو السبيل الوحيد لتدعيم سلاسل القيمة لتمور المجهول والأصناف الأردنية الأخرى، وتذليل العقبات أمام وصولها إلى الأسواق العالمية بكفاءة وتنافسية عالية".
ولفت إلى أن قطاع التمور تحول إلى أحد أهم الأنشطة الزراعية المولدة لفرص العمل في مناطق الأغوار، إذ يوفر من 10 إلى ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة سنويا، ترتفع حدتها خلال ذروة موسم الجني والفرز من آب (أغسطس) حتى تشرين الثاني (نوفمبر)، مشيرا إلى أن النساء يشكلن أكثر من 50 % إلى 70 % من إجمالي القوى العاملة في محطات التدريج والتعبئة والفرز، ما انعكس إيجابًا على رفع نسبة المشاركة الاقتصادية للمرأة في المجتمعات الريفية بوادي الأردن وتوفير مصادر دخل مستقرة للأسر، في حين أن القطاع نجح في رفع نسبة العمالة المحلية الأردنية في عمليات ما بعد الحصاد.
وأكد حداد أن القطاع أسهم في تنشيط القطاعات المساندة وثبات وديمومة الحد من الهجرة الريفية وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي في قطاعات اللوجستيات وصناعة العبوات والتبريد والصيانة، قائلًا: "إن يوم جني وحصاد التمور يثبت أن الاستثمار في قطاع النخيل الأردني لم يعد مجرد نشاط زراعي حقلي، بل نموذج اقتصاد متكامل يجمع بين التقنية الحديثة والاستدامة البيئية والتنمية المجتمعية الشاملة".
وبحسب ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في الأردن باول أوبيو، فإن البيانات المتاحة لعام 2023 أظهرت تطورا ملحوظا في زراعة النخيل وإنتاج التمور في الأردن، إذ بلغت المساحة المزروعة بنخيل التمر نحو 44 ألف دونم، وبلغ الإنتاج نحو 32.650 طنا متريا، ما يعكس الجهود الكبيرة التي يبذلها المزارعون والجهات المعنية للنهوض بالقطاع وتعزيز مكانته، مشيرا إلى أن المحافظة على هذا التقدم تتطلب مواصلة الاستثمار في الابتكار الزراعي وتحسين الإنتاجية والجودة وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات المناخية والآفات الزراعية، إلى جانب تطوير سلاسل القيمة وفتح آفاق جديدة للتسويق والتصدير.
قيمة اقتصادية وإمكانات تصديرية
وأكد أن قطاع نخيل التمر في الأردن أصبح أحد القطاعات الزراعية الواعدة لما يتمتع به من قيمة اقتصادية وإمكانات تصديرية، فضلا عن دوره في توفير فرص العمل ودعم سبل عيش المجتمعات المحلية، ما يتطلب بناء شراكة فاعلة تجمع الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين والجمعيات التعاونية والمؤسسات الوطنية وشركاء التنمية، لافتا إلى أن منظمة الفاو تؤكد التزامها بمواصلة دعم قطاع النخيل في الأردن ودعم الجهود الوطنية في مكافحة آفة سوسة النخيل الحمراء من خلال المساعدة الفنية وبناء القدرات والتدريب، بما يسهم في حماية أشجار النخيل وتعزيز الممارسات الزراعية السليمة والمستدامة.
وأضاف أوبيو أن المنظمة تعمل ضمن إطار مبادرة "بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية"، على دعم تطوير قطاع التمور الأردنية باعتباره المنتج ذا الأولوية في الأردن، من خلال التركيز على تحليل سلسلة القيمة وتحديد التحديات والفرص، وتعزيز التنسيق بين الجهات الفاعلة، وتطوير إستراتيجية وخطة عمل تسهمان في تحفيز الاستثمار وبناء الشراكات وتطوير القطاع على المدى الطويل".
إلى ذلك، قال المزارع المهندس حمزة العدوان: "النخيل لم يعد مجرد أشجار نزرعها لنأكل من ثمارها، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى صناعة حقيقية ورافد استثماري يضع الأردن على خريطة التصدير العالمية، فعندما ننظر إلى مزارعنا اليوم في وادي الأردن، نرى كيف أحدث هذا القطاع نقلة نوعية وجذب استثمارات كبرى غيّرت وجه المنطقة، ولولا هذا التوسع لباتت الكثير من أراضينا خاوية، فالنخيل أصبح حجر الزاوية الذي يحمي رقعتنا الزراعية من الاندثار ويضمن استمراريتها."
وأضاف: "نحن كمزارعين في غور الأردن نلمس يوميا كيف أصبح هذا القطاع المحرك الأساسي للاقتصاد المحلي، فهو لا يوفر فرص عمل لشباب وشابات المنطقة فحسب، بل يحيي المجتمعات المحلية برمتها"، مستدركا: "إلا أن استمرار هذا النجاح يقع على عاتق الجميع، فنحن بحاجة ماسة لتكثيف التعاون بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الدولية لتذليل عقبات التصدير وتطوير سلاسل القيمة بدءًا من التعبئة والتغليف وصولًا إلى الأسواق العالمية."
وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن جمعية التمور الأردنية ووزارة الزراعة، تتجاوز المساحة المزروعة بالنخيل في المملكة 45 ألف دونم، تضم أكثر من 750 ألف شجرة موزعة على ما يزيد على 500 حيازة ومزرعة متخصصة.
ويشكل صنف "المجهول" (Medjool) الفاخر نحو 85 % من إجمالي الأشجار المزروعة في وادي الأردن ووادي عربة، استغلالا للمناخ الفريد للقطاع، فيما تتوزع النسبة المتبقية على أصناف أخرى وفي مقدمتها "البرحي".
ويبلغ حجم الإنتاج السنوي بين 35 إلى 36 ألف طن، في حين وصلت حصة الأردن من الطلب العالمي على "المجهول" إلى 15 %.
كما وصل حجم الإنتاج المصدر إلى ما يزيد على 65 % من مجمل الإنتاج المحلي، يتم تصديره إلى ما يقارب 55 دولة أبرزها الخليج العربي والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأميركا وكندا، فيما يتجاوز العائد التصديري السنوي 60 مليون دولار.