الدستور
مع زيادة تعقد المشهد السياسي فيما يخص الحرب الامريكية الصهيونية على ايران ودخول مضيق هرمز ساحة النزال، تكشف أزمة هذا المضيق عن هشاشة البنية الطاقية العالمية، حيث تتحول خطوط الإمداد إلى نقاط ضعف استراتيجية في نظام يقوم على الاعتماد المتبادل عالي المخاطر، إن أي اضطراب في هذا الشريان لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يهدد استقرار النظام النقدي والمالي العالمي، ويضع أدوات التحوط التقليدية أمام اختبار غير مسبوق.
قراءة سيناريو الإغلاق ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر تكشف أن الاحتياطي النفطي، مهما بلغت ضخامته، لا يعدو أن يكون أداة زمنية لشراء الهدوء النفسي للأسواق، بينما يظل العجز المادي قائمًا ويعيد تشكيل سيكولوجية التسعير من منطق الندرة إلى منطق الذعر الاستراتيجي.
ضمن سلسلة القراءات التي تفند سيناريو إغلاق المضيق، نبحث في اغلاقه لفترة ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر ، في هذه الحالة لا بد ان تتكشف فجوة عميقة بين أدوات التحوط التقليدية وبين واقع الصدمات المركبة، فعلى الرغم من القرار الدولي باستخدام الاحتياطيات النفطية، فان الاحتياطي النفطي الاستراتيجي يتحول من صمام أمان إلى مؤشر على قرب النفاد، مما يغير من سيكولوجية التسعير ويحولها من منطق الندرة إلى منطق الخوف الاستراتيجي.
في المدى المنظور للاستجابة الأولية، التي قد تمتد لثلاثة أشهر، تراهن القوى الكبرى على ميكانيكة التدخل المنسق عبر وكالة الطاقة الدولية، حيث يعمل ضخ مئات الملايين من البراميل كآلية لامتصاص الصدمة بشكل اولي، محاولاً منع انكسار منحنى العرض، وفي هذه المرحلة تبقى الأسعار فوق مئة دولار للبرميل مع تقلبات حادة دون انفلات كامل، ويكفي الإفراج المنسق لتغطية العجز مؤقتاً.
بالمقابل فإن التضخم سيرتفع عالمياً بنسبة 1% إلى 2 %، خاصة في الاقتصادات المستوردة الكبرى مثل اليابان والهند، فيما يشهد الاقتصاد العالمي تباطؤاً ملحوظاً دون ركود شامل، مع ضغوط على ميزان المدفوعات في بعض الأسواق الناشئة، إلا أن هذه الفعالية تظل رهينة عنصر الزمن؛ فالاحتياطي هنا يشتري الهدوء النفسي للأسواق أكثر مما يعالج العجز المادي، مما يجعل الاستقرار المحقق هشاً وقابلاً للانهيار أمام أي مؤشر على طول أمد الأزمة.
ومع دخول الأزمة شهرها السادس، يدخل الجيواقتصاد العالمي منطقة اللاعودة ان صح التعبير، حينها الأسعار ستتجاوز 150 دولاراً للبرميل مع احتمالية بلوغها 180 دولاراً، مع استنزاف المخزون الاستراتيجي وفقدان فعاليته، اما بالتضخم المؤكد انه سيقفز عالمياً بنسبة تتراوح ما بين 3 %-5 %، على سبيل المثال أوروبا وآسيا ستظلان تواجهان أزمة وقود خانقة، وحينها الاقتصاد العالمي يدخل في ركود واسع النطاق مع انهيار في بعض الأسواق الناشئة وارتفاع البطالة في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
ضمن هذا السيناريو المتوقع التحقق، يتجاوز التضخم كونه ظاهرة نقدية ليصبح أداة للهدم، حيث تضطر القوى الصناعية إلى تقنين الطاقة، مما يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي لم يشهده التاريخ الحديث، هذا السيناريو لا يسفر عن خسائر مالية فحسب، بل يؤدي إلى إعادة هندسة خارطة التحالفات الدولية والبحث في بدائل لوجستية اكثر امناً، لتسقط معه مفاهيم العولمة المفتوحة، مع تسارع وتيرة الانفصال عن الوقود الأحفوري.
ما يفرضه هذا الواقع هو أن العالم يقف أمام مفترق طرق، إما إدارة أزمة قصيرة الأمد عبر الإفراج عن الاحتياطيات، أو مواجهة كارثة ممتدة تعيد رسم حدود القوة والنفوذ، الفرق بين ثلاثة أشهر وستة أشهر ليس في الأرقام وحدها، بل في طبيعة النظام الدولي ذاته؛ من اقتصاد عالمي متماسك ظاهرياً إلى نظام طاقي وجيوسياسي جديد يقوم على أمن الإمدادات كشرط للسيادة، إن مضيق هرمز، حين يتوقف، لا يترك العالم في ظلام فحسب، بل يجبره على إعادة ابتكار منظومة طاقة تتجاوز أسر الجغرافيا، وتحدد من جديد من يملك زمام المبادرة .