الغد-إبراهيم المبيضين
في ظل الصراعات الجيوسياسية المحتدمة التي تشهدها المنطقة، وبينما تنزف القطاعات التقليدية بسبب انهيار سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف اللوجستيات والمواد الخام، تبرز الريادة الرقمية كطوق نجاة فريد، وواحد من انواع الريادة الأكثر ملاءمة في زمن الحروب، فبينما تتعطل المصانع وتغلق المتاجر أبوابها، تبقى "الأكواد" والبرمجيات عابرة للحدود، محولةً العقل البشري إلى المورد الاستراتيجي الأول الذي لا يمكن قصفه.
ويؤكد خبراء محليون اهمية توجه الرياديين للتركيز على الريادة الرقمية في اوقات الازمات مع ما تتميز به الشركات الناشئة الرقمية من قدرة على التكيف؛ فهي لا تحتاج إلى مخازن ضخمة أو خطوط إنتاج معقدة. حيث ان هذا النموذج "الخفيف" يمنح رائد الأعمال القدرة على نقل عملياته بالكامل إلى "السحابة"، مما يضمن استمرارية العمل حتى في أقسى الظروف الأمنية.
وقال الخبراء إن مميزات الريادة الرقمية تجعلها خيارا مهما في اوقات الازمات مع قدرتها دائماً للوصول إلى الأسواق العالمية والحصول على العملات الصعبة التي تساهم في تثبيت الاقتصاد المحلي، مشيرين الى فرص كبيرة في الحروب كأفكار لمشاريع ريادية مثل الامن السيبراني والمدفوعات الرقمية والمشاريع التي تساعد الناس والقطاعات المتأثرة سلبا مثل الطاقة والسياحة وغيرها.
وأشاروا الى ان "الريادة التقنية" (Technopreneurship) لم تعد خياراً ثانوياً للأردن، بل أضحت المسار الإجباري والوحيد للعبور نحو اقتصاد المعرفة في الاوضاع الطبيعية وفي اوقات الازمات، لا سيما وان الأردن بلد يتميز بمحدودية موارده الطبيعية ووفرة رأسماله البشري،
وقال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي ان ريادة الأعمال ومعظمها اليوم ريادة رقمية لها أثر إيجابي على الاقتصاد الوطني، لافتا بأنها الخيار الأنسب لرياديي الاعمال والشباب المقبلين على تأسيس مشاريع جديدة في اوقات الازمات والحروب وخصوصا انها لا تتطلب تواجدا جغرافيا كونها تعتمد على التقنية والانترنت التي تتجاوز كل الحدود.
وأكد الصفدي بأن الازمات مثل الحرب الحالية مع تأثيراتها السلبية على قطاعات عدة لا سيما قطاع الطاقة والسياحة والتجارة الالكترونية، الا انها تقدم فرصا عديدة ومشاكل عدة امام الرياديين لحلها وايجاد حلول لها عبر مشاريعهم وافكارهم الريادية وخصوصا في قطاعات الامن السيبراني والمدفوعات الرقمية وغيرها من القطاعات التي اصبحنا بحاجة ماسة لها في الاوقات العادية وتزيد الحاجة لها في اوقات الازمات.
وضرب مثلا كيف ان الافكار والمشاريع الريادية الرقمية كانت حلا للعديد من المشاكل عندما وفرت منتجات وخدمات توفر احتياجات الناس خلال جائحة كورونا وكيف تم تطويع التكنولوجيا لخدمة الناس وتوفير احتياجاتهم.
وقال ان ريادة الاعمال تقوم بدور تكميلي حيث انها تسد الثغرات التي تعجز الدولة عنها بتوفير فرص عمل ومن خلال مراجعة أثر ريادة الاعمال على الاقتصاد في بعض البلدان فإن ريادة الاعمال تسهم بـ50 % في الاقتصاد الاميركي، 60 % الصين،
و70 % هونج كونج وايضا قامت السعودية بتبني رؤية 2030 والتركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة لريادة الاعمال، حيث وضعت هدف ليصل مساهمة ريادة الاعمال من 20 %- 35 % في الاقتصاد الوطني مع تخفيض معدل البطالة الى 7 % من 11.6 %.
ووفق دراسة لبنك HSBC فإن ريادة الأعمال توفر 100 فرصة عمل بإجمالي ايرادات يصل لعشرات الملايين.
وقال: " بناء على هذه المعطيات، قامت الدول بتوفير صناديق استثمارية وتبنت الشركات حاضنات للاعمال لدعم تلك المشاريع لما لها من آثار على الاقتصاد الوطني بحيث تساهم تلك الصناديق بتوفير الدعم المادي والتدريب المناسب لأصحاب المشاريع لإطلاق مشاريعهم لخدمة المجتمعات المحلية والدولية".
وبين الصفدي ان هذا النوع من الريادة حتى يكون حقيقيا يجب ان يقوم على عملية تحديد وإنشاء ومتابعة فرص الأعمال المبتكرة بهدف توليد القيمة وحل المشكلات وتحقيق النمو المستدام. وبأنه يتجاوز مجرد بدء عمل تجاري؛ ويتعلق الأمر بالمخاطرة المحسوبة، والتكيف مع التغييرات، والعمل المستمر لإحداث تأثير إيجابي.
الريادة التقنية محرك للاقتصاد الحديث
ويرى الخبير في تخصص الأعمال الالكترونية الاستاذ الدكتور أحمد غندور بأن الريادة التقنية تمثل اليوم أحد أهم محركات الاقتصاد الحديث، وهي ليست مجرد إنشاء شركة، بل عملية تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى حلول عملية تولد قيمة اقتصادية وفرص عمل.
وفي السياق الأردني، أكد غندور أن أهميتها تبرز بشكل أكبر بسبب محدودية الموارد الطبيعية واعتماد الاقتصاد على رأس المال البشري، حيث يتميز هذا النوع من الريادة في العادة بانخفاض تكاليف الإنشاء الاولية مع الاعتماد على الادوات التقنية الحديثة.
وقال غندور ان الريادة التقنية تعتمد على قدرة الشباب على استخدام التكنولوجيا لبناء منتجات رقمية، مثل التطبيقات والمنصات والخدمات الذكية. لافتا الى ان هذا النمط من الريادة يسمح بتجاوز القيود الجغرافية، حيث يمكن لشركة ناشئة في عمّان أن تخدم أسواقاً عالمية.
وأضاف قائلا: " تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الرقمي يساهم بشكل متزايد في النمو، خاصة في الدول التي تستثمر في المهارات الرقمية".
أهمية الريادة التقنية
وعن أهمية الريادة التقنية أوضح غندور قائلا: " تكمن أهمية الريادة التقنية في عدة جوانب. أولاً، تخلق فرص عمل نوعية وتحد من البطالة بين الشباب.
ثانياً، تعزز الابتكار وتدفع نحو حلول محلية لمشكلات مثل النقل، التعليم، والخدمات الحكومية. ثالثاً، تساهم في جذب الاستثمار الأجنبي، كما حدث مع شركات أردنية نجحت في الوصول إلى أسواق إقليمية وعالمية".
رغم ذلك، يرى غندور ان ثمة تحديات تواجه الريادة التقنية في الأردن، اهمها التمويل الذي يمثل العائق الأول، حيث يعاني كثير من الشباب من صعوبة الوصول إلى رأس المال، والبيئة التشريعية ما تزال بحاجة إلى تطوير لتسهيل إنشاء الشركات وإغلاقها.
وأضاف ان هناك أيضاً فجوة في المهارات العملية، حيث يملك كثير من الخريجين معرفة نظرية دون القدرة على تطبيقها في مشاريع حقيقية، إضافة إلى ذلك، ثقافة الخوف من الفشل التي تحد من المبادرة.
متطلبات تطوير
بيئة الريادة التقنية
وحول آليات تطوير بيئة الريادة التقنية بين غندور ان تشجيع الشباب الأردني على الريادة التقنية يتطلب تغييراً في المنظومة ككل. يبدأ ذلك من التعليم، حيث يجب الانتقال من التلقين إلى التعلم القائم على المشاريع. ويجب أن يتعلم الطالب كيف يبني منتجاً، لا فقط كيف ينجح في الامتحان. الجامعات تستطيع لعب دور محوري من خلال حاضنات الأعمال وربط الطلبة بسوق العمل.
وقال ان الدولة مطالبة بتبسيط الإجراءات القانونية وتوفير حوافز ضريبية للشركات الناشئة. كذلك، دعم صناديق الاستثمار المبكر ضروري لتمويل الأفكار في مراحلها الأولى.
والقطاع الخاص يمكن أن يساهم عبر الشراكات، التدريب، والاستثمار في المواهب المحلية.
وعلى مستوى المجتمع، يرى غندور انه يجب تعزيز ثقافة التجربة والمخاطرة. قصص النجاح المحلية تلعب دوراً مهماً في إلهام الشباب، عندما يرى الشاب نموذجاً قريباً منه نجح في بناء شركة تقنية، يصبح الطريق أكثر واقعية.
ولخص قائلا: "ما هو المطلوب عملياً بناء منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم الرقمي المبكر، مروراً بالتدريب العملي، وصولاً إلى التمويل والدعم المؤسسي. وتوفير بنية تحتية رقمية قوية. ربط الريادة التقنية بأولويات الدولة مثل التحول الرقمي والخدمات الحكومية. والأهم، بناء عقلية إنتاجية لدى الشباب تقوم على المبادرة، التعلم المستمر، والعمل على حل مشكلات حقيقية".
تشجيع الشباب على الريادة التقنية
ومن واقع تجربتها في بيئة ريادة الاعمال الأردنية، ضمن مشروعها الذي يعنى بتعليم اليافعين التقنيات الحديثة لا سيما علوم الروبوت والبرمجة، ترى الريادية الأردنية ظلال الشمايلة بان الريادة التقنية هي ببساطة استخدام التكنولوجيا مثل البرمجة، الذكاء الاصطناعي، والروبوتات لتطوير حلول مبتكرة لمشاكل حقيقية في المجتمع.
وأكدت الشمايلة - وهي المؤسس لأكاديمية " ايزي روبوت كيت" - انه من المهم جدًا أن نشجع الشباب لأن يتجهوا لهذا المجال، لأنه يفتح لهم فرص عمل جديدة، ويساعدهم في الاعتماد على أنفسهم بدلا انتظار الوظيفة التقليدية، فضلا عن اهميته لهم في تنمية مهارات التفكير والإبداع وحل المشكلات.
وقالت الشمايلة ان الامر ليس بالأمر السهل لدخول باب الريادة التقنية فهو يتطلب من الشباب ان يكون لديهم فكرة واضحة وقابلة للتطبيق، وان يكتسبوا مهارات تقنية أساسية، مع وجود تفكير ريادي يساعدهم ليحولوا الفكرة لمشروع حقيقي.
بالإضافة لذلك، اشارت الشمايلة الى اهمية عوامل منها العمل ضمن فريق، التجربة المستمرة، والتعلم من الأخطاء وهي كلها عوامل أساسية توصلهم للنجاح وتجعلهم قادرين لأن يصنعوا تأثيرا حقيقيا في مجتمعهم.
الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الاعمال المهندس هاني البطش يرى بان الاستثمار في ريادة الأعمال التقنية لم يعد خياراً ترفيهياً، بل هو ضرورة استراتيجية لتعزيز التنافسية الوطنية، والسبيل لأي اقتصاد يسعى للتحول من الاستهلاك إلى الابتكار السيادي.
وقال البطش ان ريادة الأعمال وخصوصا ريادة الاعمال الرقمية تمثل ضرورة وطنية للأردن. فهي أداة فعالة لمعالجة البطالة الهيكلية، خصوصاً بين الشباب والخريجين، كما تسهم في تنويع القاعدة الاقتصادية في ظل محدودية الموارد الطبيعية.
وأوضح قائلا: " الشركات الناشئة، لا سيما الرقمية منها، قادرة على التوسع إقليمياً وتوليد إيرادات تصديرية دون كلف لوجستية مرتفعة، ما يعزز تدفقات العملة الأجنبية. كذلك، فإن تعزيز ثقافة إنشاء المشاريع يخفف الضغط عن القطاع العام بوصفه المشغّل التقليدي الأول، ويعيد توجيه الطاقات نحو خلق فرص عمل بدلاً من انتظارها".
الحاجة إلى إطار وطني متكامل
وأشار البطش إلى ان منظومة ريادة الأعمال في الأردن اليوم لحظة مفصلية تتطلب انتقالاً من المبادرات المتفرقة إلى إطار وطني متكامل يعيد تعريف دور المشاريع الناشئة في الاقتصاد. فالأردن، بحكم محدودية موارده الطبيعية وارتفاع معدلات البطالة، لا يملك ترف التعامل مع ريادة الأعمال كقطاع جانبي، بل كرافعة استراتيجية للنمو، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويرى البطش انه على المستوى التشريعي، ما تزال البيئة التنظيمية بحاجة إلى تحديث عميق يجعلها أكثر تمكيناً للشركات الناشئة، لا سيما في مراحلها الأولى. والمطلوب تبسيط إجراءات تأسيس الشركات عبر منصة رقمية موحدة، وتقليص الزمن والكلفة المرتبطين بالتسجيل والترخيص، إضافة إلى تطوير تشريعات الإفلاس بما يسمح بإعادة الهيكلة بدل التصفية، ويحدّ من الوصمة المرتبطة بفشل المشروع. كما أن تحفيز الاستثمار الجريء من خلال حوافز ضريبية وتنظيم واضح لخيارات الأسهم للموظفين، وتطوير إطار قانوني للتمويل الجماعي، سيعزز جاذبية السوق الأردني لرأس المال المحلي والإقليمي. ومن المهم كذلك توظيف المشتريات الحكومية كأداة استراتيجية عبر تخصيص نسبة من العقود للشركات الناشئة، بما يخلق طلباً أولياً مستقراً يعزز فرص النمو.
أما في التعليم، فإن التحول المطلوب يتجاوز إدخال مساقات نظرية حول ريادة الأعمال، إلى بناء ثقافة إنتاجية قائمة على التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي منذ المراحل المدرسية المبكرة. وفي الجامعات، ينبغي ربط مؤشرات الأداء بعدد الشركات المنبثقة عنها، وتفعيل مكاتب نقل التكنولوجيا، وتحفيز البحث التطبيقي المرتبط بالاحتياجات الوطنية. كما أن ربط التعليم التقني والمهني بسلاسل القيمة الصناعية والزراعية سيسهم في توجيه الريادة نحو قطاعات إنتاجية حقيقية، بدلاً من التركّز في مجالات محدودة لا تعكس أولويات الاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلق بالتمويل، ما تزال الفجوة واضحة بين مرحلة الفكرة ومرحلة النمو. والمطلوب إنشاء أدوات تمويل موجهة للمراحل المبكرة تقلل المخاطر على المستثمرين، إلى جانب تطوير صناديق رأس مال مخاطر محلية قادرة على مرافقة الشركات في مراحل التوسع. كما أن توسيع برامج ضمان القروض، وتطوير أدوات تمويل بديلة، بما فيها صيغ التمويل الإسلامي المهيكل، يمكن أن يعزز شمولية المنظومة. الأهم هو بناء دورة تمويل متكاملة تغطي جميع مراحل المشروع، بدلاً من التركيز على نقطة واحدة في بدايته.