مدى مشروعية الحصار البحري*د. محمود عبابنة
الغد
أول ما يتبادر إلى الذهن، أن الحصار البحري هو فعل غير مشروع كونه أداة عسكرية واقتصادية لتقييد حركة الملاحة على سواحل الدولة المحاصرة بهدف قطع مصادر الدخل ووقف التصدير ومنع الإمدادات الأساسية عن هذه الدولة، وعادة ما تقوم به دولة بمفردها تجاه دولة أخرى أو مجموعة من الدول، وبما أن الحصار عمل من أعمال القوة القسرية، فقد تم حظر الحصار بموجب ميثاق الأمم المتحدة ونصت المادة (2/4) على حظر استعمال القوه أو التهديد بها، إلا أن الميثاق أيضا وفي المادة (42) أجاز فرض الحصار البحري كإجراء لحفط السلم الدولي على أن يكون ذلك مقروناً بقرار من مجلس الأمن، وجاءت المادة (51) من الميثاق لتجيزه أيضا في حالة الدفاع الشرعي عن النفس، كما عالج "النظام القانوني للاستخدام العسكري للبحار" في دليل سان ريمو الصادر عام 1964 موضوع الحصار البحري واعتبره وسيلة مشروعة من وسائل الحرب، لكنه أخضعه لشروط صارمة، منها: أنه يجب الإعلان عنه رسميا، وأن يجري تطبيقه من غير تمييز، وألا يتم استهداف المدنيين من خلال الحصار، وأنه يفترض على المحاصِر السماح بمرور المساعدات الإنسانية، وشددت الاتفاقية أيضا على أنه لا يجوز استعماله لتجويع السكان أو معاقبتهم جميعا، وهناك الكثير من الدارسين من يضرب مثلا على ذلك بحصار إسرائيل لقطاع غزة. وبالتالي، فإنه يُستنتج أن الحصار لا يكون مشروعاً دون وجود مبرر قانوني مثل اعتداء الدولة المحاصَرة على دولة أخرى، أو إذا كان الحصار يستهدف المدنيين وتعطيل الموانئ المحاصرة عن استقبال المواد الغدائية، أو إذا تم دون تفويض من مجلس الأمن أو كان خارج إطار الدفاع الشرعي.
بإسقاط جميع ما سبق، فإن فرض الحصار البحري الأمريكي (Blockade of Ports) على الموانئ الإيرانية قد جرى دون تفويض من مجلس الأمن، ولا يمكن اعتباره دفاعا عن النفس لوجود آلاف الكيلو مترات التي تفصل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، كما أن من أشعل فتيل الحرب بين الدولتين هو الدولة القائمة بالحصار (أمريكا)، وتضيف المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة على منع استعمال العقاب الجماعي للسكان المدنيين، وعدم جواز أن يكون الحصار للتجويع كسلاح حرب، كما أنه وبتاريخ فرض الحصار في 16 نيسان لم تكن العمليات الحربية قائمة، بل تم فرض الحصار في وقت الهدنة أو السلم وهذا مخالف للقانون البحري العسكري.
إن السوابق الدولية في تاريخ الحصارات البحرية لم تصل إلى نتيجة إيجابية لأي من الحصارات البحرية السابقة؛ فالحصار البحري على ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى أدى إلى نقص في الغذاء والمواد الأساسية وتفاقم سوء التغذية عند الأطفال، والحصار الأمريكي على كوبا تغطى بمصطلح "الحجر الصحي على كوبا" لتفادي النقاشات القانونية حول مشروعيته باعتباره إعلان حرب، ولا يفوتنا الحصار البحري الشامل على قطاع غزة فقد أجمع المحللون والسياسيون ورجال القانون المحايدون على أن هذا الحصار شكل ضررا جسيما لسكان القطاع في المجالات الصحية والاقتصادية، وأدى إلى تجويع المدنيين وموت الآلاف من الأطفال، وقد اعتبر جريمة ضد الإنسانية على حد قول "فرانشيسكا ألبانيزي" المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي نأمل أن تفوز بجائزة نوبل للسلام والشجاعة إذا لم تتدخل قوى الشر والعداون والضغط والابتزاز الذي تمارسه أمريكا وإسرائيل.