الغد-فرح عطيات
لم يعد الجفاف قضية لا يمكن النظر إليها كـ"فرصة" يمكن استغلالها لتحسين إدارة التربة والمياه في إطار تقنيات مثل استخدام بيانات الأقمار الصناعية لمراقبة رطوبة التربة والنبات، وزيادة الإنتاجية وتعزيز صمود الأردن مناخياً.
وهذا ما يطلق عليه اسم إدارة الأراضي الذكية لمواجهة الجفاف الذي بات مصطلحاً رائجاً في العالم، بل باتت دول عدة تراه أداة لإنشاء تحالفات ومبادرات لمواجهة ظاهرة الجفاف في الشتاء.
والأردن ليس بمنأى عن تلك الدول، إذ وفق خبراء بيئيين وزراعيين، يمكنه تحويل الجفاف لـ"فرصة اقتصادية"، يستطيع عبرها تبني ممارسات تقوم على مبدأ حماية التربة وإدارة الموارد الطبيعية على نحو أمثل، كالزراعة الحافظة، وإنشاء نظام تنبؤ للموسم المطري، وتركيب مجسات داخل التربة لقياس خصائصها الحيوية كالرطوبة.
خبير الغابات د. ليث الرحاحلة، بيّن أن الجفاف يرتبط أساساً بالشتاء، وبالتوقعات المتعلقة بالهطول المطري التي تقل عن المعدلات السنوية التي تشهدها المملكة عادة، لذلك فإنه من غير الممكن توقعه، لافتاً إلى أن الأرقام العالمية المتعلقة بالجفاف تتسم بأنها "مقلقة"، وتتطلب إجراءات على مستوى الدول والأقاليم.
لذلك، وبحد قوله، ترتكز اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر على 3 محاور رئيسة هي: تدهور الأراضي، والجفاف، والتصحر، إذ تشير بياناتها الإلكترونية إلى أن 6 % من وفيات العالم سببها الجفاف، مضيفاً أن الجفاف يشكل 15 % من الكوارث الطبيعية العالمية، بينما تحدث حالات الوفاة المرتبطة به في دول ذات دخل متوسط ومتدن، من بينها الأردن الذي يصنف على أنه من الدول ذات الدخل المتوسط.
وبين العامين 1998 و2017، بلغ حجم الضرر الاقتصادي الذي تسبب به الجفاف 124 مليار دولار، ما يسلط الضوء على أهميته حتى في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بحسبه.
ومن المفارقات أنه في 2013 شهدت 70 دولة في العالم حالات جفاف روتيني، مشيراً إلى أن 3 دول من أصل الـ70 لديها خطة عمل تنفيذية وطنية للتعامل مع الجفاف، وتلك الأرقام تعكس "خطورة" الجفاف و"الغياب" في تبني الإدارة الفعالة للتعامل مع الجفاف على مستوى السياسات الوطنية وخطط العمل.
ويظهر ذلك الأمر برأيه وجود "فجوة" تتطلب تعاون صناع القرار مع الجهات التمويلية لتطوير تحالفات ومبادرات تزيد من قدرة الدول والمجتمعات والأفراد على رفع منعتهم اتجاه الجفاف.
ولا يعني الجفاف فقط قلة الأمطار، فغالباً ما تشهد الدول كثافة في الهطول المطري، لكن استفادة المصادر المائية منها محدودة، ما يُطلق عليه الدخول في مرحلة الجفاف الاقتصادي الاجتماعي، وفقه، إذ لا يقتصر الأمر على ذلك، فقد تكون قدرة التربة محدودة على الاحتفاظ بالمياه لكونها متدهورة، بحيث لم تعد لديها إمكانية إنتاج المحاصيل الزراعية اقتصادياً، ما سيؤثر سلباً على الأمن الغذائي.
وبناءً على ذلك، ومن وجهة نظره، فإن مشكلة الجفاف تجتمع فيها عوامل جوية وسوء إدارة للموارد الطبيعية، ما يخلق فكرة تقوم على أن إدارة الأراضي يجب أن تكون مستدامة، والتي تأخذ بالاعتبار قضية الجفاف.
ومن هنا، بحسب الرحاحلة، ظهر مفهوم جديد، هو إدارة الأراضي الذكية لمواجهة الجفاف، يقوم على أن التدخلات التي تتخذها الدول يجب أن ترتكز على حماية التربة من الانجراف، وزيادة منعتها بمواجهة الجفاف، وحماية الموارد الأرضية.
وضرب الرحاحلة مثالاً على ذلك، بأن الأردن كان يستفيد من الأسمدة العضوية لزيادة خصوبة التربة ومعدلات الإنتاج والعائد الاقتصادي، بل ورفع منعة التربة في مواجهة الجفاف، ما يعد من بين الممارسات التي يجب اعتمادها.
وشدد على أن الاستثمار في الوقاية من الجفاف يسهم بزيادة العائد الاقتصادي 10 أضعاف، لذلك فإن هذه القضية بات ينظر إليها على أنها فرصة، إذ أظهرت معها إقامة مبادرات وشراكات وتحالفات إقليمية مختصة بهذا المجال.
ومن بين تلك المبادرات، إنشاء التحالف الدولي لمكافحة الجفاف عام 2022، بالإضافة لمبادرة شراكة الرياض العالمية من أجل القدرة على الصمود بمواجهة الجفاف، والتي تعد فرصة على الدول العربية الاستفادة منها، بتقديم مشاريع تتطلب تمويلات، بخاصة المتأثرة بالجفاف كالأردن الذي يعد واحدًا من بين الأعضاء في التحالف، وهذه فرصة مهمة له.
ويرى الأستاذ بكلية الزراعة في الجامعة الأردنية د. جواد البكري، أن تبني الزراعة الحافظة، والتخطيط لاستعمالات الأراضي الحالية، مع توفير مصادر مياه غير تقليدية، أن هذه جميعها تصب في مفهوم إدارة الأراضي الذكية لمواجهة الجفاف، مستندًا بذلك على ما أسماه بـ"الكارثة" التي حلت بموسم الزيتون في الأردن، وانخفاض الإنتاج إلى النصف نتيجة الجفاف، ما يتطلب معه الارتكاز على المحصول البعلِي.
ولفت البكري إلى أن محسنات التربة أصبحت من بين المفاهيم المنتشرة في العالم، ويقوم مبدأها على إضافة المواد العضوية وحبيبات النانو للتربة لمنحها المزيد من الرطوبة، لكن يجب أن يرافقها إنشاء نظام تنبؤ للموسم المطري مع تركيب مجسات في التربة لقياس خصائصها الحيوية كالرطوبة ودرجة الحرارة وغيرها.
كما لا بد من تعزيز دور الإرشاد الزراعي والتقييم المبكر للمجموع الخضري للنبات، والتي تصب جميعها في الإدارة الذكية للجفاف وفق المحاصيل المختلفة وفقه، مضيفًا أنه إذا كان هناك منافس للمحصول كوجود الأعشاب، فيجب اللجوء إلى التعشيب مع إجراء تغطية لسطح التربة بمخلفات النباتات، والتي تساعد في تبريدها والاحتفاظ بالرطوبة داخلها، وهي جميعها ممارسات "مفقودة" في الأردن.
وأكد على أن ثمة حاجة لوجود خريطة زراعية إلى جانب تبني الممارسات السابقة الذكر وتعزيز تطبيق الحصاد المائي كذلك، والتي لا تتطلب استقطاب تمويلات أو حتى مبالغ مالية طائلة.