الغد
لا يمكن فهم الاعتراض الأميركي الحاد على التقارب المتسارع بين كندا والاتحاد الأوروبي باعتباره مجرد خلاف تجاري عابر، أو مجرد رد فعل على تصريحات أوروبية وكندية متبادلة. فالمسألة في جوهرها تتعلق بموقع كندا داخل المجال الإستراتيجي الأميركي، وبالمنافسة المتصاعدة بين القوى الاقتصادية الكبرى على الأسواق، والموارد، وسلاسل الإمداد، والنفوذ.
خلال الأشهر الأخيرة، أخذ التعاون الكندي– الأوروبي يتجاوز التجارة التقليدية إلى مجالات أكثر إستراتيجية، تشمل الطاقة، والغاز الطبيعي المسال، والمعادن الحرجة، والطاقة النووية، والتكنولوجيا النظيفة، والصناعات الدفاعية، والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية. وفي حزيران (يونيو) الماضي، تحدث مسؤولون كنديون وأوروبيون صراحة عن تعميق تكامل سلاسل إمداد الطاقة بين الطرفين، وعن دور كندا في مساعدة أوروبا على تنويع مصادرها وتأمين احتياجاتها من الطاقة والمواد الخام الإستراتيجية. كما يجري تعزيز التعاون الدفاعي والأمني والتفاوض على اتفاق للتجارة الرقمية.
لهذا، فإن الاعتراض الأميركي على طرح رئيسة المفوضية الأوروبية حول إمكانية تطوير العلاقة مع كندا إلى مستوى "عضو مشارك" الأسبوع الماضي لا يتعلق فقط بشكل قانوني جديد للعلاقة. فقد حذر الرئيس الأميركي من إجراءات تجارية إذا تحول هذا التقارب إلى ترتيب تعتبره واشنطن موجها ضد مصالحها، بينما أكد رئيس الوزراء الكندي أن بلاده تريد علاقات أعمق مع أوروبا في المعادن والطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي.
من هنا يمكن قراءة الموقف الأميركي في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف واشنطن لمجالها الحيوي. فإستراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 أعلنت صراحة إعادة تأكيد "التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي"، وربطت ذلك بمنع القوى من خارج المنطقة من السيطرة على مواقع أو أصول إستراتيجية، وبحماية الوصول الأميركي إلى الموارد والمواقع الحيوية.
كندا، وفق هذا المنطق، ليست مجرد حليف أو شريك مستقل يقع شمال الولايات المتحدة، بل جزء أساسي من فضاء اقتصادي وأمني وطاقة متكامل تقوده واشنطن. وأي تحرك كندي واسع لتنويع علاقاته الإستراتيجية مع أوروبا يمكن أن يعني، على المدى الطويل، انخفاض قدرة الولايات المتحدة على استخدام حجم سوقها وعلاقاتها التجارية والأمنية للتأثير في الخيارات
الكندية.
يمكن النظر إلى التصور الأميركي للمجال الحيوي باعتباره شكلا معاصرا من الهيمنة، وهي أحد المكونات الأساسية للاستعمار وإن تغيرت أدواته ومسمّياته. فبدلا من الاحتلال المباشر، تُستخدم اليوم الرسوم الجمركية والأسواق والاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد لفرض النفوذ وتقييد استقلال الدول، فيما تتجنب القوى الغربية استخدام مصطلح "الاستعمار" وتستعيض عنه بتعبيرات مثل القيادة والشراكة والنفوذ.
وفي المقابل، ليس اندفاع أوروبا نحو كندا مجرد انعكاس لما تسميه رئيسة المفوضية "القيم المشتركة". وهذه اللغة الاستعلائية ضد الشعوب غير الغربية، لما تحمله من افتراض ضمني بأن هناك دولا تشارك أوروبا قيمها وأخرى تقع خارج هذا الفضاء القيمي، لا تفسر وحدها التحول الجاري.
المصالح الاقتصادية أكثر وضوحا؛ فأوروبا تبحث عن مصادر آمنة للطاقة والمعادن الحرجة، وعن شركاء في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا النظيفة، وتسعى إلى تقليل اعتمادها الإستراتيجي على روسيا والصين، وفي بعض المجالات على الولايات المتحدة نفسها. وكندا تمتلك كثيرا مما تحتاج إليه أوروبا.
أما الكنديون، فلا يبدو أنهم يسعون حاليا إلى فك الارتباط بالولايات المتحدة، وهو أمر شديد الصعوبة بحكم الجغرافيا وحجم العلاقات الاقتصادية، وإنما إلى تقليص الاعتماد الأحادي عليها وتوسيع هامش الاستقلال في اتخاذ القرار.
وهنا يكمن جوهر الخلاف. فالتقارب الكندي– الأوروبي ليس مجرد شراكة أو تحالف بين دول متشابهة في "القيم"، بل أحد مظاهر إعادة توزيع العلاقات الاقتصادية في عالم تتحول فيه التجارة والطاقة والمعادن والتكنولوجيا إلى أدوات للقوة. واعتراض واشنطن عليه يكشف بدوره أن الصراع العالمي الجديد لا يدور فقط بين الولايات المتحدة والصين أو روسيا، بل يمتد إلى تحديد مقدار الاستقلال الذي تستطيع حتى الدول الحليفة ممارسته داخل مناطق النفوذ التي تعتبرها القوى الكبرى مجالات إستراتيجية خاصة بها.