الدستور
منذ الثالث من آذار الماضي والذي معه قررت ايران اغلاق مضيق هرمز ليكون احد ردودها على العدوان الامريكي الصهيوني عليها، لم ينفك حدثا هاما قطع اوصال الاقتصاد العالمي واثر عليه بشكل كبير وعانت منه دول كثيرة جدا بسبب مشكلة النفط وتصديره وتعطل سلاسل امداد هامة والقائمة تطول.
في متابعة للمشهد ذكرنا في العديد من المقالات تأثيرات اغلاق المضيق وانه من المستحيل ان تكون هذه المشكلة قد ظهرت فجأة امام الادارة الامريكية ولم تكن تحسب حسابها، ومن غير المنطقي ان تُحشد السفن الحربية لزيادة الضغط على طهران لفتح المضيق فقط خدمة للاقتصاد العالمي ككل، بل وترفض قراراً ايرانيا بفرض رسوم على العبور الأمن.
امس الأول ظهر استشرافنا في تقرير هام جدا صدر في صحيفة «بوليتيكو»، مفاده أن الإدارة الأمريكية تبحث إجراءات استئناف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم على السفن التي ترافقها سفن أمريكية، وإنها تدرس خيارات لإقناع مالكي السفن وشركات التأمين بإعادة استخدام المضيق في ظل المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وكان من أحد المقترحات قيد المناقشة حاليا هو منح السفن نوعا من تصريح» VIP pass «، أي المرور السريع عبر المضيق مقابل رسوم إضافية، وربما برفقة سفن تابعة للبحرية الأمريكية، لكن القرار النهائي لم يتم اتخاذه بعد.
وفي هذا الإطار لم يكن مضيق هرمز يوماً مجرد ممر مائي عابر، بل ظلّ في قلب الحسابات الاستراتيجية الأمريكية منذ عقود، ولا ادل من العودة بالذاكرة الى ما عُرف في الثمانينيات بـ»حرب الناقلات»، حيث استخدمت واشنطن ذريعة حماية الملاحة لتدخل عسكري مباشر في الخليج العربي.
اليوم، تعيد الإدارة الحالية إنتاج نفس السيناريو ولكن بوجه أكثر تجارياً وابتزازاً، إذ لم يعد الأمر مجرد حماية مجانية، بل خدمة مدفوعة تُحوّل المضيق إلى مشروع استثماري، أي ان المضيق لم يكن ملفاً طارئاً، بل ورقة استراتيجية ثابتة في دفتر الحسابات الأمريكي، فالتقرير يؤكد سعي واشنطن لتحويله إلى مصدر نفوذ مالي وجيوسياسي.
لم تُعر واشنطن العبء المالي الجديد على شركات النقل اهمية، وأن هذا التأمين سيزيد تكاليف النقل وستنعكس مباشرة على أسعار النفط، وهنا لا بد من الاشارة الى ان التقديرات الأولية تظهر أن فرض رسوم بهذا الحجم قد يرفع سعر البرميل بين 3-5 دولارات؛ ما يعني إضافة ما يقارب 15-25 مليار دولار سنوياً إلى فاتورة الطاقة العالمية، وبالنسبة لدول الخليج العربي المصدرة للنفط التي تعتمد على تصديره عبر المضيق، فإن الرسوم ستُعتبر اقتطاعاً مباشراً من عوائدها، بينما بالنسبة للدول المستوردة سترتفع كلفة الاستيراد بما لا يقل عن 200-300 مليون دولار سنوياً.
إيران من جانبها ترى في الخطوة ابتزازاً جديداً، وتعتبر أن واشنطن تحاول تحويل المضيق إلى أداة تفاوضية ضمن النقاشات الجارية أو تلك التي ستستمر خلال الستين يوماً المقبلة، وبالنسبة لها فإن السيطرة على المضيق ليست مجرد ورقة دفاعية، بل جزء من معركة السيادة، حيث ان قبولها بالرسوم الأمريكية يعني عملياً الاعتراف بالهيمنة الأمريكية على أهم شريان للطاقة في العالم.
هذه هي أمريكا التي لا تعرف حليفاً ولا شريكاً، بل ترى العالم شركة خاصة يمكن ترتيب أوراقها كما تشاء، ومع إدارة تعتبر الدم مجرد تكلفة والدول مجرد أوراق، يصبح المضيق مشروعاً استثمارياً لا يختلف عن أي صفقة تجارية.
الحرب على إيران لم تُشعلها واشنطن للاهداف المعلنة فقط، بل لتفتح أبواباً جديدة للهيمنة والمال، ولتؤكد أن العالم بالنسبة لها ليس سوى دفتر حسابات يمكن إعادة ترتيبه حتى لو كان الثمن دماراً ممتداً وأزمات لا تنتهي.