الغد
رأت وزيرة الطاقة والثروة المعدنية الأسبق هالة وزاتي، أن عودة إمدادات الغاز إلى الأردن منحت المملكة، متنفساً مؤقتا، لكنها فرصة للتحوّط لا للاطمئنان.
وأضافت زواتي في مقالة عبر "الغد" أن عودة غاز المتوسط أعادت إلى منظومة الكهرباء مصدر الغاز الرئيسي بسعر يقارب 9 دولارات، مقارنة بأسعار الغاز المسال التي تجاوزت 25 دولاراً عالمياً خلال الأزمة.
وأردفت: هذا الفارق أوقف النزيف الأخطر الذي كانت تتعرض له شركة الكهرباء الوطنية، لكنه لا يعني انتهاء الخطر، بل مجرد احتواء مؤقت له".
وفيما يلي نص المقالة:
في الثالث من نيسان، وبعد توقف دام نحو خمسة أسابيع، عاد تدفق الغاز من حقل ليفياثان في البحر الأبيض المتوسط، مانحاً الأردن ومصر متنفساً طال انتظاره بعد أزمة كانت كلفتها باهظة.
خلال تلك الأسابيع، اضطرت شركة الكهرباء الوطنية إلى اللجوء إلى البديل المتاح سريعاً: الغاز الطبيعي المسال المستورد عبر باخرة التغييز في العقبة.
لكن هذا البديل جاء بكلفة استثنائية، إذ قفزت أسعار الغاز المسال عالمياً من نحو 11 دولاراً إلى 25 دولاراً مع تصاعد الأزمة، أدى ذلك الى خسائر تقدر بحوالي 65 مليون دينار تحملتها شركة الكهرباء الوطنية.
صحيح أن عودة غاز المتوسط تستحق أن نلتقط معها أنفاسنا، لكن نَفَساً واحداً فقط. فالأزمة لم تنتهِ بعد، وبالنسبة للأردن فإن إحدى الأزمتين فقط قد شهدت انفراجاً نسبياً. أما الأزمة الثانية — والمتمثلة في ارتفاع أسعار النفط العالمية واستمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز — فما تزال مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيداً.
ما الذي تغيّر… وما الذي لم يتغيّر؟
ما تغيّر لصالحنا واضح:
عودة غاز المتوسط أعادت إلى منظومة الكهرباء مصدر الغاز الرئيسي بسعر يقارب 9 دولارات، مقارنة بأسعار الغاز المسال التي تجاوزت 25 دولاراً عالمياً خلال الأزمة.
هذا الفارق أوقف النزيف الأخطر الذي كانت تتعرض له شركة الكهرباء الوطنية، لكنه لا يعني انتهاء الخطر، بل مجرد احتواء مؤقت له.
فالتهديد بانقطاع الإمدادات ما يزال قائماً، والانقطاعات الكهربائية التي شهدناها خلال آذار ومطلع نيسان كانت جرس إنذار حقيقياً. ومع ذلك، نجحت شركة الكهرباء الوطنية في الاستمرار بتزويد الكهرباء لجميع القطاعات دون انقطاع واسع أو تحميل المستهلك الكلف الفعلية، ما يعني أن الشركة هي التي تحملت العبء المالي والخسائر المباشرة.
عودة غاز المتوسط غيّرت طبيعة الضغط على المالية العامة، لكنها لم تُلغِه.
الخسائر لم تتوقف بالكامل، بل تراجعت فقط. فأسعار الغاز الطبيعي المستورد من حقل ليفياثان مرتبطة بخام برنت، الذي ارتفع من نحو 70 دولاراً للبرميل قبل الأزمة إلى ما بين 107 و110 دولارات خلال الأسابيع الماضية.
أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نتعامل مع عودة غاز المتوسط باعتبارها نهاية الأزمة.
فالحقل الذي عاد للعمل اليوم قد يتوقف غداً، وما جنّب الأردن أزمة أعمق هو وجود بدائل استراتيجية جرى التخطيط لها مسبقاً، وفي مقدمتها باخرة التغييز في العقبة. لكن هذه البدائل لم تكن بلا ثمن، بل جاءت بكلف مالية مرتفعة ستنعكس بوضوح على نتائج شركة الكهرباء الوطنية وعلى المالية العامة.
كما أن استمرار أسعار برنت عند مستويات مرتفعة يعني أن الاستنزاف ما يزال قائماً، وإن كان بوتيرة أقل.
لكن ما لم يتغيّر ربما أكثر أهمية مما تغيّر.
فمضيق هرمز ما يزال شبه مغلق فعلياً، ووقف إطلاق النار المعلن في الثامن من نيسان وصفه الرئيس الأمريكي قبل أيام بأنه “على أجهزة الإنعاش”. أما خام برنت فما زال مرتفعا.
الأخطر من ذلك، أن الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، حذّر في 11 أيار من أن السوق العالمية تفقد ما يقارب 100 مليون برميل أسبوعياً نتيجة اضطرابات الإمدادات، واصفاً ما يحدث بأنه “أكبر صدمة لإمدادات الطاقة شهدها العالم”. كما أشار إلى أن استمرار تعطل الملاحة “لأسابيع إضافية” قد يؤخر استعادة التوازن في الأسواق حتى عام 2027.
هذا يعني ببساطة أن سيناريو استمرار أسعار النفط المرتفعة حتى نهاية عام 2026 لم يعد احتمالاً بعيداً، بل أصبح يكتسب وزناً أكبر مع كل أسبوع يمر دون تسوية شاملة ومستقرة. علينا ان لا ننسى بأن جزء من البنية التحتية للوجستيات النفط والغاز قد تم تدميرها ولن تعود للعمل في يوم وليلة بعد التوصل الى اتفاق.
الحكومة الأردنية اتخذت قرارا بعدم عكس كامل كلف المحروقات على المستهلك وتحملت دعم كبير يقارب 100 مليون دينار شهريا، وهذا الدعم لأسعار المحروقات ما يزال قائماً.
وهو قرار مفهوم لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، لكنه في الوقت نفسه قرار مكلف ضاغط على الخزينة، وثمنه يزداد مع كل يوم إضافي من عمر الأزمة.
وماذا بعد؟
بدأت تتشكل الموجة الثانية من التداعيات الاقتصادية: تضخم الغذاء والأسمدة.
فالخليج العربي يستحوذ على نحو ثلث صادرات اليوريا العالمية وربع صادرات الأمونيا، وهما عنصران أساسيان في صناعة الأسمدة.
ومع استمرار اضطراب سلاسل التوريد، بدأت التحذيرات تتصاعد من انتقال صدمة الطاقة إلى أسعار الغذاء.
التحليلات الاقتصادية تشير إلى وجود فارق زمني يتراوح بين ثلاثة وستة أشهر بين ارتفاع أسعار الطاقة وظهور أثرها الكامل على أسعار الغذاء والمدخلات الزراعية.
وهذا يعني أن النصف الثاني من عام 2026 قد يشهد موجة تضخمية جديدة تطال الغذاء والزراعة فوق معدلات التضخم الحالية.
كيف نخرج من الأزمة أقوى وأصلب
إن الأولويات الواقعية في هذه المرحلة يجب أن تكون واضحة:
أولاً، الاستمرار في تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاعتماد على الذات باعتباره قضية أمن وطني، لا مجرد خيار اقتصادي، شريطة أن تكون المشاريع المنفذة مجدية وضرورية ولا تفرض كلفاً مرتفعة أو أعباء غير مستدامة على النظام الكهربائي.
فكل ميغاواط لا يعتمد على أنبوب يمكن إغلاقه أو ممر بحري يمكن تعطيله، هو زيادة مباشرة في أمن الأردن واستقلاله الطاقوي.
ثانياً، الحفاظ على الجاهزية الكاملة لباخرة التغييز في العقبة، وعدم التعامل معها كحل طارئ مؤقت. الأزمة الأخيرة أثبتت قيمتها الاستراتيجية، وأكدت أن كلفة الاحتفاظ بها أقل بكثير من كلفة غيابها.
ثالثاً، تعزيز الشفافية في ملف الدعم والخسائر وآلية تمرير الكلف، وربط ذلك بمسار أسعار النفط العالمية ومدى استمرار الأزمة. فالمصارحة، حتى عندما تكون مؤلمة، تبني الثقة وتمنع الصدمات المفاجئة.
رابعاً، التحضير المبكر لموجة تضخم الغذاء المتوقعة عبر تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع موردي الأسمدة وزيادة الاعتماد على الذات، ودراسة برامج دعم موجّهة للأسر الأكثر هشاشة. هذه الموجة ليست احتمالاً نظرياً، بل سيناريو واقعي يجب الاستعداد له من الآن.
خامساً ، إشراك المواطن بوضوح وشفافية في فهم طبيعة المرحلة المقبلة، لأن إدارة الأزمات لا تنجح بالقرارات الحكومية وحدها، بل أيضاً بوعي المجتمع وقدرته على التكيف وترشيد الاستهلاك والاستعداد للتغيرات المحتملة.
سادساً، مواصلة الحوار مع الشركاء الدوليين لتأمين أدوات تمويل مرنة وسريعة التفعيل في حال تفاقمت الأزمة مجدداً. فالدول التي تستبق الأزمات تفاوض من موقع أقوى من تلك التي تنتظر حتى اللحظة الأخيرة.
سابعاً، ينبغي إدراك أن ملف غاز المتوسط يبقى عرضة للتسييس والتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية والأمنية، ما يفرض على الأردن عدم التعويل عليه كمصدر وحيد أو رئيس لتزويد الغاز، خصوصاً في ظل الأزمات الإقليمية المتكررة.
لا سيما أن هذه هي المرة الثانية التي تتوقف فيها إمدادات حقل ليفياثان إلى الأردن ومصر، رغم استمرار الإنتاج من حقل تمار لتلبية الطلب المحلي داخل فلسطين المحتلة، علماً أن الحقلين يقعان في البحر الأبيض المتوسط ويواجهان الظروف والتحديات الأمنية ذاتها.
وعليه، فإن عودة غاز المتوسط منحت الأردن وقتاً ثميناً، لكنها لم تُغلق الملف. خام برنت ما يزال فوق 107 دولارات، ومضيق هرمز ما يزال مضطرباً، وأسواق الطاقة العالمية لم تستعد توازنها بعد.
هذه ليست لحظة راحه، بل لحظة استثمار للوقت الذي اشترته لنا عودة الإمدادات، من اجل التحوط اكثر في منظومة الطاقة، وبناء مالية عامة أكثر مرونة، واستعداد اقتصادي أكثر جدية للموجة التالية من التضخم العالمي.
في الطاقة، كما في السياسة، الفرق بين دولة تنجو من الأزمة ودولة تخرج منها أقوى، هو أن الأولى تستريح عندما تهدأ العاصفة، بينما الثانية تستغل لحظة الهدوء في البناء والاستعداد للعاصفة القادمة.