الحد من الفاقد الكهربائي.. رهان اقتصادي لتعزيز كفاءة قطاع الطاقة
الغد-رهام زيدان
يواصل قطاع الكهرباء في الأردن تنفيذ خطط متكاملة لخفض الفاقد الكهربائي الفني وغير الفني، في ظل اعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، لما يترتب عليه من هدر للطاقة المنتجة وارتفاع في الكلف الاقتصادية، وانعكاسات مباشرة على كفاءة النظام الكهربائي والاقتصاد الوطني.
وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع التوسع في استخدام العدادات الذكية، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتشديد الرقابة على الاستجرار غير المشروع للطاقة الكهربائية، في إطار إستراتيجية تستهدف الحد من الفاقد وتحسين كفاءة استغلال الطاقة.
ارتفاع محدود في فاقد النقل وتراجع ملموس في فاقد التوزيع وأظهرت أحدث البيانات الصادرة عن شركة الكهرباء الوطنية ارتفاع نسبة الفاقد الكهربائي على شبكة النقل خلال العام الماضي إلى 1.78 % مقارنة مع 1.76 % في العام السابق، بزيادة طفيفة بلغت 0.02 نقطة مئوية.
في المقابل، سجلت شبكات التوزيع تحسناً ملحوظاً، إذ انخفضت نسبة الفاقد إلى 11.08 % مقارنة مع 11.85 % في العام الذي سبقه، وفقاً لآخر البيانات الرسمية الصادرة عن قطاع الطاقة.
ويُعرّف الفاقد الكهربائي، بحسب هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، بأنه الفرق بين الطاقة الكهربائية المشتراة والطاقة المباعة، وينقسم إلى نوعين رئيسين، هما الفاقد الفني الناتج عن الخصائص الطبيعية لعمليات نقل وتوزيع الكهرباء وكفاءة المعدات والمحولات وخطوط النقل، والفاقد غير الفني الناجم عن الاعتداءات على الشبكة، والاستهلاك غير المصرح به للطاقة الكهربائية، أو أوجه القصور في أنظمة القياس والتحصيل.
الفاقد الكهربائي خسارة اقتصادية مباشرة
وقال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية، الدكتور أحمد حياصات، إن الفاقد الكهربائي يمثل خسارة اقتصادية مباشرة، لأن الطاقة التي يُفترض أن تُستخدم في إنتاج قيمة مضافة تتبدد أثناء انتقالها عبر الشبكات، إذ يتسرب جزء منها على شكل حرارة نتيجة مرور التيار الكهربائي في الأسلاك.
وأوضح أن هذه الكميات المفقودة تكون قد أُنتجت أساساً في محطات التوليد التي تتحمل كلفاً تشغيلية وإنتاجية، ما يعني أن فقدانها ينعكس في النهاية على ارتفاع الكلفة الاقتصادية لقطاع الكهرباء.
وأشار حياصات إلى أن الوصول بنسبة الفاقد الكهربائي إلى الصفر يعد أمراً مستحيلاً من الناحية الفنية، لأن مرور التيار الكهربائي في الموصلات يؤدي بصورة طبيعية إلى ارتفاع حرارة الأسلاك وفقدان جزء من الطاقة، وهي ظاهرة فيزيائية ملازمة لعملية نقل الكهرباء.
وأضاف أن هذا النوع من الفاقد الفني موجود في جميع شبكات الكهرباء حول العالم، إلا أن نسبته يمكن تقليصها من خلال تطوير الشبكات ورفع كفاءتها.
وأكد أن خفض الفاقد يعتمد بالدرجة الأولى على تنفيذ استثمارات لتحسين نوعية الأسلاك، وتقليل المسافات التي تقطعها خطوط النقل والتوزيع، إلى جانب مكافحة الاعتداءات على الشبكة وسرقة الكهرباء التي تشكل جانباً من الفاقد غير الفني.
وشدد على أن هذه الإجراءات تتطلب استثمارات وجهوداً مستمرة، لكنها تحقق في المقابل مكاسب مباشرة للاقتصاد الأردني، لأن كل كمية من الكهرباء يتم الحفاظ عليها تعني تقليل الهدر وتعظيم الاستفادة من الطاقة المنتجة.
خسائر القطاع
من جانبه، أكد وزير تطوير القطاع العام الأسبق، الدكتور ماهر مدادحة، أن الفاقد الكهربائي ضمن الحدود والمعايير الفنية المتعارف عليها يعد أمراً طبيعياً يشكل جزءاً من عمل النظام الكهربائي، وينتج عن العمليات التشغيلية، وتُحتسب كلفته ضمن النفقات التشغيلية.
وأوضح أن الفاقد الناتج عن العبث بالشبكات أو سرقة التيار الكهربائي، أو تراجع مستوى خدمات الصيانة، يمثل فاقداً غير مبرر يؤدي إلى زيادة الخسائر التي تتحملها شركات الكهرباء، وينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع الخسائر الإجمالية التي تتحملها شركة الكهرباء الوطنية.
ودعا مدادحة إلى تبني سياسات أكثر فاعلية لمواجهة هذا النوع من الفاقد، تشمل فرض عقوبات رادعة بحق المعتدين والمتلاعبين بالشبكات الكهربائية، وتعزيز الدور الرقابي الذي تضطلع به هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، إضافة إلى متابعة أعمال الصيانة الدورية التي تنفذها شركات الكهرباء، للحد من الفاقد الناتج عن ضعف جودة العمليات التشغيلية على شبكات النقل والتوزيع.
كفاءة قطاع الطاقة
بدورها، قالت المختصة في التحول الطاقي والاستدامة، ديانا عثامنة، إن الفاقد الكهربائي يعد أحد المؤشرات الرئيسة على كفاءة أداء قطاع الكهرباء، لما له من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد وكفاءة تشغيل الشبكة وتحقيق أهداف الاستدامة.
وأوضحت أن ارتفاع الفاقد يعني اقتصادياً أن النظام الكهربائي يحتاج إلى إنتاج أو شراء كميات أكبر من الكهرباء لتلبية الطلب الفعلي، لأن جزءاً من الطاقة يُفقد قبل وصوله إلى المستهلك النهائي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، وزيادة الحاجة إلى استثمارات إضافية في التوليد وشبكات النقل والتوزيع، ويؤثر في الكفاءة المالية للقطاع، وينعكس على تنافسية الاقتصاد وكلفة الطاقة.
وأضافت أن زيادة الفاقد تؤدي فنياً إلى انخفاض كفاءة الشبكة الكهربائية، وارتفاع الأحمال على مكوناتها، وزيادة الفواقد الحرارية، وتسريع اهتراء الأصول الكهربائية، بما يرفع تكاليف الصيانة ويؤثر في استقرار التغذية الكهربائية.
وأكدت أن كل وحدة كهرباء يتم فقدها تمثل، من منظور الاستدامة، استهلاكاً غير ضروري للموارد وانبعاثات كربونية كان بالإمكان تجنبها، مشيرة إلى أن تقليل الفاقد لا يسهم فقط في تحسين الأداء الاقتصادي لقطاع الكهرباء، وإنما يدعم أيضاً أهداف أمن الطاقة، وخفض الانبعاثات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وهي جميعها ركائز أساسية في مسار التحول الطاقي.
الرقمنة وكفاءة الطاقة
ورأت عثامنة أن معالجة الفاقد لا تقتصر على تطوير الشبكات أو تحسين البنية التحتية، وإنما تتطلب نهجاً متكاملاً يشمل تحديث شبكات النقل والتوزيع، والتوسع في تطبيق الشبكات والعدادات الذكية، وتحسين كفاءة تشغيل المنظومة الكهربائية، واستخدام الحلول الرقمية لتحسين المراقبة وإدارة الأحمال، إلى جانب الحد من الفاقد غير الفني عبر تعزيز الحوكمة وأنظمة القياس والفوترة.
وأضافت أن كفاءة الطاقة أصبحت اليوم من أكثر الحلول تأثيراً وجدوى، ولم تعد مجرد وسيلة لترشيد الاستهلاك، بل باتت تعرف عالمياً بـ"الوقود الأول"، لأنها توفر الطاقة بكلفة أقل من إنتاجها أو نقلها.
وقالت إن كل كيلوواط/ساعة يتم توفيره من خلال تحسين كفاءة المباني والصناعة والأجهزة وأنظمة التبريد والإنارة، هو كيلوواط/ساعة لا يحتاج إلى التوليد أو النقل أو التوزيع، وبالتالي يتم تجنب الفاقد المرتبط به من الأساس.
وأشارت إلى أن الاستثمار في كفاءة الطاقة وإدارة الطلب يحقق فوائد تتجاوز المستهلك الفرد، إذ يسهم في خفض أحمال الذروة، وتقليل الضغط على الشبكة الكهربائية، وتأجيل الحاجة إلى إنشاء محطات توليد جديدة أو توسعة شبكات النقل والتوزيع، وهو ما يحقق وفورات رأسمالية وتشغيلية كبيرة، ويزيد من مرونة النظام الكهربائي وقدرته على استيعاب نسب أعلى من الطاقة المتجددة.
وأكدت أن مستقبل أنظمة الطاقة لن يقاس فقط بكمية الكهرباء المنتجة، وإنما بمدى كفاءة استخدامها وإدارة الطلب عليها، معتبرة أن خفض الفاقد الكهربائي، إلى جانب الاستثمار في كفاءة الطاقة والرقمنة وتحديث الشبكات، يمثل استثماراً مباشراً في أمن الطاقة والاستدامة والتنافسية الاقتصادية.
الهيئة: العدادات الذكية خفضت الفاقد غير الفني
من جهتها، أكدت الناطقة الإعلامية باسم هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، الدكتورة تحرير القاق، أن الهيئة تتابع بصورة مستمرة نسب الفاقد الكهربائي على الشبكة، وتعمل على تنفيذ خطط تستهدف خفضه، إلى جانب مكافحة الاستجرار غير المشروع للطاقة الكهربائية.
وأوضحت أن من أبرز الإجراءات التي نفذتها الهيئة التوسع في نشر العدادات الذكية، والتي أسهمت بشكل كبير في ضبط الفاقد غير الفني المتمثل بسرقات الكهرباء، خاصة على شبكات التوزيع، مشيرة إلى أن نسبة انتشار هذه العدادات تجاوزت 99 %.
وأضافت أن العدادات الذكية تتيح مراقبة الاستهلاك بدقة ومنع التلاعب بالشبكة، الأمر الذي ساهم في خفض نسب الفاقد الكهربائي، إلى جانب تحسين جودة الشبكات، وتنفيذ مشاريع تطويرية من قبل شركات الكهرباء، فضلاً عن تشديد الرقابة على السرقات والاستجرار غير المشروع للتيار الكهربائي.
كما أشارت إلى أن الهيئة نفذت حملات توعوية لتوضيح التبعات القانونية للاعتداءات على الشبكات الكهربائية وما تسببه من زيادة في نسب الفاقد، بالتزامن مع تفعيل الضابطة العدلية وتشديد إجراءات الرقابة.
وأكدت أن نسب الفاقد الكهربائي، سواء الفني أو غير الفني، شهدت تراجعاً خلال السنوات الأخيرة، فيما تواصل الهيئة والجهات المعنية جهودها لتحقيق مزيد من الانخفاض بما يعزز الجدوى الاقتصادية للنظام الكهربائي ويرفع كفاءته.
تحسن موثوقية الشبكة وارتفاع الحمل الأقصى
وفي سياق متصل، أظهرت البيانات الرسمية تحسناً في مؤشرات أداء شبكة النقل الوطنية، إذ بلغت نسبة توافر الشبكة خلال العام الماضي 99.93 % مقارنة مع 99.92 % في العام السابق.
كما انخفض متوسط فترة الانقطاع على شبكة النقل إلى 0.4 دقيقة لكل انقطاع مقارنة مع 3 دقائق في العام السابق، فيما تراجع إجمالي مدة الانقطاع إلى 11.1 ساعة مقابل 45 ساعة خلال عام 2024.
وفي المقابل، ارتفع الحمل الأقصى للنظام الكهربائي إلى 4800 ميغاواط مقارنة مع 4100 ميغاواط في العام السابق، بزيادة بلغت نحو 17 %.
وبلغ إجمالي استطاعة التوليد في المملكة 7271 ميغاواط، منها 2854 ميغاواط من مشاريع الطاقة المتجددة، سواء من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، والمرتبطة بشبكتي النقل والتوزيع، في مؤشر يعكس تنامي مساهمة مصادر الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني، بالتوازي مع استمرار العمل على رفع كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد الكهربائي.