الغد-جهاد المنسي
يتصدر قانونا "العمل" و"الضمان"، واجهة النقاش العام، ليس بوصفهما نصّين قانونيين حسب، بل كعنوانين مباشرين للمرحلة المقبلة، باعتبارهما من أبرز القوانين المدرجة على جدول أعمال الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة العشرين".
جدلية القانونين لا تنطلق مما يتضمناه من مواد جدلية تتعلق بالعمال والموظفين وأصحاب العمل، فقط بل أيضا من متطلبات العدالة الاجتماعية، وحسابات الاستدامة الاقتصادية.
فبينما يوجد مشروع القانون المعدل لقانون العمل في أدراج مجلس الأعيان بانتظار الحسم، متأرجحا بين سحبه أو الموافقة على ما جاء فيه من تعديلات، وضعها نواب أو رفضها آخرون منهم، والعودة إلى تعديلات الحكومة، يخضع قانون الضمان الاجتماعي إلى نقاش معمّق تشارك فيه الحكومة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، واتحاد نقابات العمال، والنقابات المهنية، إلى جانب خبراء اقتصاديين واجتماعيين، في مشهد يعكس حجم القلق من آثار أي تعديل تشريعي غير متوازن.
عدم المساس بالحقوق المكتسبة للعمال
المجلس الاقتصادي، لعب دوراً محورياً في إدارة هذا الحوار خلال الفترة الماضية، عبر عقده جلسات استماع موسّعة، وطرح أوراق سياسات، ناقشت فلسفة الحماية الاجتماعية، وكلفة التشريعات على سوق العمل، واستدامة منظومة الضمان، إلى جانب ما قدمه من مواد تحليلية، ركزت على ضرورة التعامل مع قانوني العمل والضمان كوحدة واحدة متكاملة، محذّراً من أن معالجة أحدهما بمعزل عن الآخر، قد تخلق اختلالات تشريعية تزيد من هشاشة سوق العمل، أو تضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل.
في موازاة ذلك، عبّر اتحاد نقابات العمال عن موقف واضح وحازم، مؤكداً أن أي تعديلات على قانوني العمل والضمان، يجب أن تنطلق من مبدأ عدم المساس بالحقوق المكتسبة للعمال، وتعزيز الأمان الوظيفي، ورفض أي نصوص قد تفتح الباب أمام الفصل التعسفي، أو تقليص الحماية الاجتماعية تحت ذريعة المرونة الاقتصادية. كما شدد في بياناته ونقاشاته، على أن الحماية الاجتماعية ليست كلفة زائدة، بل استثمارا في الاستقرار الاجتماعي، منبها من أن إضعافها، سيؤدي إلى توسيع دائرة الفقر والبطالة والعمل غير المنظم.
أما النقابات المهنية، فقد ركزت على أثر التعديلات المقترحة على فئات المهنيين والعاملين لحسابهم الخاص، خصوصاً فيما يتعلق بشمولهم بمظلة الضمان الاجتماعي، وملاءمة الاشتراكات مع طبيعة دخولهم غير المنتظمة.
وأكدت أن توسيع قاعدة الشمول بالضمان، خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تتطلب آليات مرنة وعادلة، تراعي واقع المهن الحرة، ولا تفرض أعباء قد تدفع إلى العزوف عن الاشتراك أو التهرب منه.
وتبرز الأرقام في خلفية هذا النقاش، كعنصر ضاغط لا يمكن تجاهله، فمعدلات البطالة ما تزال مرتفعة، وتتجاوز الـ21 %، فيما تعاني المنشآت الصغيرة والمتوسطة من كلف تشغيل متزايدة، في وقت يدير فيه الضمان الاجتماعي صندوقاً استثمارياً تتجاوز موجوداته 15 مليار دينار، ويغطي أكثر من مليون ونصف مليون مشترك فعّال. هذه المعادلة تجعل أي تعديل تشريعي، بحاجة إلى حسابات دقيقة، توازن بين توسيع الحماية وضمان الاستدامة المالية.
من جهتهم، عبر أصحاب العمل، عن مخاوفهم من الكلفة التراكمية الناتجة عن تداخل التزامات قانون العمل مع اشتراكات الضمان الاجتماعي، معتبرين بأن غياب التدرج أو الحوافز، قد يدفع بعض القطاعات إلى تقليص التوظيف، أو التوسع في العمل غير الرسمي، وهو ما يتناقض مع أهداف التشريع ذاته.
تشريع يحمي العامل
ويصون الضمان
وسط هذا المشهد المتشابك، تتجه الأنظار إلى لجنة العمل النيابية، التي ستجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة في إدارة ملف قانون الضمان الاجتماعي، مستندة على مخرجات الحوار الذي قاده المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومواقف اتحاد نقابات العمال والنقابات المهنية. وبعيداً عن الشعبوية أو الحلول السهلة، فإن المطلوب يكمن في تشريع متوازن، يحمي العامل ويصون الضمان، ويأخذ بالاعتبار قدرة الاقتصاد على الاستمرار والتشغيل.
في المجمل، فإن قانوني العمل والضمان الاجتماعي، لم يعودا مجرد نصوص تقنية، بل أصبحا اختباراً حقيقياً لقدرة كل الأطراف على إدارة التوازن بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي، وأي تجاهل لمواقف الشركاء الاجتماعيين أو لمخرجات الحوار الوطني، سيحوّل التشريع من أداة حماية إلى مصدر أزمة مؤجلة.