55.6 % يقضين 15 ساعة أسبوعيا في مهام غير مدفوعة
الغد
أظهرت دراسة صدرت أول من أمس بعنوان "العمل العادل: ظروف عمل النساء العاملات عبر المنصات السحابية للعمل الحر في الأردن"، أن النساء العاملات يواجهن فجوات كبيرة في الأجور وظروف العمل والعقود والإدارة والتمثيل المهني، رغم الفوائد التي توفرها هذه المنصات من الوصول إلى فرص عمل دولية وتنمية المهارات الرقمية.
وكشفت الدراسة الصادرة عن مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية وأجريت بالتعاون مع جامعة أكسفورد، بأن 69.4 % من العاملات يحصلن على دخل أقل من الحد الأدنى للأجور، بينما تعتبر 54.2 % منهن العمل عبر المنصات دخلاً تكميليًا أو مقبولًا في ظل ندرة فرص العمل النظامية.
كما بينت الدراسة أن 55.6 % من العاملات يقضين حوالي 15 ساعة أسبوعيًا في مهام غير مدفوعة مرتبطة بالحصول على فرص جديدة أو تحديث ملفاتهن الرقمية، ما يقلل صافي الدخل ويؤثر على الاستدامة الاقتصادية.
وتشير الدراسة، التي حصلت "الغد" على ملخصها التنفيذي، إلى أن فرص العمل على المنصات السحابية تعني إمكانية تنفيذ أعمال وخدمات عن بُعد عبر الإنترنت، مثل البرمجة والتصميم الجرافيكي والترجمة وإدخال البيانات وكتابة المحتوى، من أي مكان داخل الأردن أو خارجه، ما يتيح الوصول إلى عملاء محليين ودوليين دون الحاجة للتواجد الفعلي في مكتب أو مدينة معينة، مع إمكانية التدرج المهني عبر بناء السمعة الرقمية على المنصات مثل B.O.T محليًا، وUpwork وFreelancer وFiverr عالميًا.
منهجية متعددة
واستندت الدراسة إلى منهجية متعددة الأدوات شملت استبيانًا محكّمًا شمل 72 عاملة من 10 محافظات أردنية، يمثلن تخصصات مختلفة من البرمجة إلى التصميم والترجمة وكتابة المحتوى وإدخال البيانات، كما أجريت مقابلات معمقة مع 20 عاملة لاستجلاء الخبرات اليومية وديناميات التفاوض وآليات الدفع والتقييم الرقمي ومخاطر العمل المهني والرقمي، إلى جانب مراجعة مكتبية شاملة للأدبيات العلمية وتجارب الدول المقارنة وأطر التنظيم والحماية في اقتصاد المنصات.
وأظهرت النتائج، أن العمل عبر المنصات السحابية في الأردن يتيح فرص وصول إلى دخل مرن، لكنه لا يضمن الانتقال إلى "عمل لائق" بالمعايير الدولية.
ففي محور الأجر العادل، يتبين بحسب الدراسة، بأن غالبية العاملات يواجهن صعوبة في تحقيق دخل يوازي الحد الأدنى للأجور، مع تأثير واضح لتقلب الطلب وضعف الشفافية في الخوارزميات على توزيع الفرص، ما يقلل من فرص الحصول على مشاريع ذات قيمة أعلى.
كما أن ضغط المنافسة العالمية يدفع العاملات في الأردن، إلى خفض الأسعار وزيادة ساعات العمل، بما يعكس فجوة واضحة في ظروف العمل العادلة، حيث أفادت 68.1 % من العاملات بأن الزمن الفعلي لإنجاز المهام يتجاوز التقديرات، بينما بينت 97.3 % أن المنافسة العالمية تؤثر على القدرة على التفاوض وتحقيق دخل مستقر.
عقود العمل
وفيما يخص العقود العادلة، تعرضت 37.5 % من العاملات لتغييرات أحادية في الأجور أو التقييم دون إشعار مسبق، فيما شعرت 19.4 % بالإكراه غير المرئي، أي الخوف من رفض المهام خشية تراجع ترتيبهن الرقمي وفقدان فرص مستقبلية، وهو ما يعكس قصورًا تشريعيًا في تنظيم العلاقة التعاقدية الرقمية وغياب متطلبات الإشعار المسبق وشفافية التسعير والتقييم.
وفي إطار الإدارة العادلة، أظهرت الدراسة أن 43.1 % فقط من العاملات أعربن عن رضاهن عن الاستجابة البشرية للشكاوى، في حين لم يُبلّغ 93.1 % ممن تعرضن لإجراءات تأديبية بالأسباب، ولم تتوفر لدى 55.6 % آليات استئناف واضحة، ما يعكس غياب إطار وطني يضمن العدالة الإجرائية في اقتصاد المنصات.
وبالنسبة للتمثيل العادل، تبين أن 70.8 % من العاملات لا يعرفن أي تجمعات مهنية أو عمالية تحمي مصالحهن، بينما أبدت 67.2 % رغبتهن في الانضمام إلى هياكل تمثيلية، ما يبرز الحاجة إلى بناء هياكل مهنية قادرة على التفاوض الجماعي وتقديم الدعم القانوني والتقني ووضع معايير مهنية للتسعير والإنصاف.
بعدان متداخلان
وتسلط الدراسة الضوء على بُعدين متداخلين ينبغي مراعاتهما في السياسات العامة المتعلقة بالعمل عبر المنصات، هما البعدان الاجتماعي والحمائي، حيث تبين أن بعض العاملات يخفين نشاطهن المهني أو يستخدمن حسابات بنكية لأفراد الأسرة، ما يعكس فجوات في الشمول المالي والاستقلال الاقتصادي، إلى جانب حالات محدودة من العنف الرقمي والإكراه الأسري، وتحليل للفرص المتاحة يظهر تحيزات مرتبطة بالموقع الجغرافي أو النوع الاجتماعي، ما يستدعي سياسات حماية متكاملة تشمل الإبلاغ الآمن والدعم النفسي والاجتماعي، ومساءلة الخوارزميات لضمان عدم التمييز.
أما البعد التمكيني والاقتصادي، فيشير إلى أن العمل عبر المنصات يتيح للنساء مسارات وصول إلى أسواق دولية وتخصصات عالية القيمة، مع إمكانية التدرج المهني عبر بناء السمعة الرقمية، إلا أن تحقيق إمكانات هذه الفرص يتطلب تدخلات سياسية ومؤسسية لتعزيز المهارات الرقمية، واللغة الإنجليزية، ومهارات التسعير والتفاوض وفهم آليات عمل الخوارزميات، بما يسهم في تحويل العمل الرقمي من فرصة فردية متقطعة إلى مسار عمل لائق ومستدام.
توصيات
وأوصت الدراسة بعدة خطوات لتعزيز حقوق العاملات، أهمها تحديث قانون العمل الأردني لتعريف "العامل الرقمي" وحقوقه الأساسية، واستحداث فئة اشتراك جديدة في الضمان الاجتماعي للعاملين المستقلين رقمياً بنسب اشتراك مخففة ومدعومة حكومياً، مع إلزام المنصات الرقمية بالمساهمة في هذه الاشتراكات واعتماد بيانات الدخل الرقمية أساساً لاحتساب الاقتطاعات الشهرية، وتعديل نظام العمل المرن للاعتراف بالعقود الرقمية ضمن أشكال العمل المعترف بها قانونياً.
كما أوصت بربط برامج تمكين النساء بالمهارات الرقمية والتدريب والشهادات المهنية، وتوفير تمويل رقمي ميسر لدعم احتياجات التشغيل، إلى جانب حملات إعلامية وطنية لإضفاء الشرعية الاجتماعية على العمل السحابي وتغيير الصور النمطية المرتبطة به.
أما بالنسبة للمنصات الرقمية، فينصح بضرورة تبني سياسات تسعير عادلة تضمن حدًا أدنى للأجر، ووضوح آليات احتساب العمولات والاقتطاعات، وتفعيل أدوات الإبلاغ الآمن عن التحرش أو التمييز، إضافة إلى اعتماد معايير صارمة لمنع التقييمات الكيدية، مع إدماج مسارات تعليمية قصيرة لتعزيز مهارات التفاوض المالي وإدارة الوقت والأمن السيبراني وبناء السمعة الرقمية.