الغد-إيمان الفارس
في بلد يصنف من بين الأفقر مائيا في العالم، لا يبدو الحديث عن تغير المناخ ترفا فكريا أو نقاشا بيئيا عاما، بل مسألة تمس صميم الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فحين يشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن نحو 70 % من آثار تغير المناخ مرتبطة بإدارة الموارد المائية، فإن هذه النسبة تنعكس بالأردن واقعا يوميا يتجلى باضطراب المواسم، وتراجع المخزون المائي، وازدياد هشاشة القطاعات المرتبطة بالمياه.
وخلال السنوات الأخيرة، بات التذبذب السمة الأبرز للمناخ في المملكة؛ فالمواسم المطرية الشحيحة تمتد لعدة أعوام، تعقبها فترات قصيرة من هطول غزير وغير منتظم، ما يفقد الموارد المائية قدرتها على التعافي الطبيعي.
هذا التفاوت لا يؤدي فقط لانخفاض كميات المياه السطحية والجوفية بنسب مقلقة، بل يضعف كذلك قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد لإدارة الطلب المتزايد على المياه، سواء لأغراض الشرب أو الزراعة أو الصناعة.
وأمام هذا المشهد المعقد، يبرز السؤال الجوهري؛ هل السياسات المائية الحالية قادرة على تحويل هذا التحدي المناخي إلى فرصة لتعزيز الأمن المائي في المملكة؟
والإجابة ليست أحادية؛ فمن جهة، اتخذ الأردن خطوات مهمة بالاتجاه الصحيح، عبر التوسع بمشاريع تحلية المياه، وتعزيز إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة بالزراعة، وتحسين كفاءة الشبكات والحد من الفاقد.
كما أن الربط بين سياسات المياه والطاقة، والاستثمار في حلول أكثر استدامة، يعكس إدراكا متزايدا لطبيعة التحدي المركّب الذي يفرضه تغيّر المناخ.
ففي وقت تتسارع فيه التحولات المناخية وتتراجع فيه استقرارية الموارد الطبيعية، تبرز المياه كأحد أكثر القطاعات تأثرا بهذه التغيرات، أكد الخبير الدولي في قطاع المياه د. دريد محاسنة، في تصريحات لـ "الغد"، أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ عالميا، أديا الى إحداث تفاوت واضح في مواسم الامطار من حيث المواعيد والكميات، الامر الذي انعكس بشكل مباشر على انخفاض مصادر المياه بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 30 %.
وقال، إن من أبرز التداعيات المرتبطة بتغير المناخ ذوبان الجليد بوتيرة سريعة، ما يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار يقابله تراجع في كميات مياه الأنهار، إضافة لتسرب مياه البحر المالحة لمصادر المياه العذبة نتيجة ارتفاع مستوياتها وبدء تدفقها باتجاه اليابسة والأنهار.
وأشار، إلى أن هذه التحولات المناخية تسهم أيضا في انتشار الطحالب بشكل متزايد الأمر الذي يؤثر سلبا على نوعية المياه وجودتها ويضاعف من التحديات المرتبطة بإدارتها ومعالجتها.
وأضاف، إن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي كذلك إلى زيادة معدلات تبخر البحيرات والأنهار، مشددا على أن هذه العوامل مجتمعة تترك أثرا مباشرا ومؤكدا على القطاع الزراعي ومواسمه وعلى انتظام الهطولات المطرية.
ولفت إلى أن الأردن شهد خلال السنوات الأخيرة حالة من الاضطراب المناخي، حيث تمر المملكة بسنوات عجاف تكاد تخلو من الأمطار، تعقبها سنوات تشهد هطولات غزيرة كما حدث في الموسم الحالي.
وبين، أن هذا التذبذب المناخي يؤدي لغياب الاستقرار بمعدلات الأمطار، فيما تتسبب سنوات الجفاف في تراجع حاد في مصادر مياه الشرب والمياه الجوفية، فضلا عن إحداث اضطرابات واضحة في نمط الحياة والأنشطة الزراعية.
وأشار إلى أن هذه التأثيرات ليست محصورة في منطقة بعينها، إذ إن الأمر قابل للحدوث في أحواض مائية كبرى مثل حوض نهر النيل إضافة إلى أحواض أخرى في المنطقة.
وأكد أن التفاوت في كميات المياه الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة يعد أحد أبرز مصادر الصراعات والنزاعات بين الدول المشاركة في الأحواض المائية، مشيرا إلى أن هذا السيناريو قابل للتكرار في حوض نهر النيل وكذلك في أحواض نهري الفرات ودجلة، حيث تسعى كل دولة إلى تأمين أكبر قدر ممكن من المياه في كل موسم.
وأوضح أن هذه التوترات المائية تخلف متاعب ومشكلات اقتصادية ونتائج سلبية تمتد إلى قطاعات متعددة، من بينها التجارة البحرية والسياحة وقطاع الثروة السمكية، إضافة إلى قطاعي المياه والطاقة.
وأكد أن الترابط بين هذه القطاعات يجعل أي اختلال مائي عاملا مؤثرا بشكل مباشر على الدخل القومي للدول.
وبالنتيجة، فإن التعامل مع واقع تتراجع فيه الموارد بنسبة تصل إلى ربع أو ثلث طاقتها الطبيعية يتطلب انتقالا أعمق من إدارة الأزمة إلى إدارة المخاطر، ومن الحلول التقليدية إلى تبني نماذج مبتكرة في الحوكمة المائية، وتغيير أنماط الاستهلاك، وتعزيز الوعي المجتمعي بأن المياه لم تعد موردا مضمونا.
وتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي حمل عنوانه "المياه في الميزان: نحو مستقبل أكثر أمانا واستقرارا" يلفت الانتباه أيضا إلى أن إدارة المياه باتت عاملا محوريا في النزاعات الإقليمية، خصوصا في الأحواض المشتركة.
ورغم أن الأردن ليس دولة منبع، إلا أن موقعه في إقليم يعاني أصلا من شح المياه يجعله أكثر عرضة لتداعيات أي توتر مائي إقليمي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر تأثير ذلك على التجارة والطاقة وسلاسل التوريد. وفي ضوء ما يطرحه المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن الفرصة الحقيقية أمام الأردن تكمن في تحويل شح المياه إلى محرك للتحديث، عبر الاستثمار في التكنولوجيا، وتعزيز التعاون الإقليمي، وربط الأمن المائي بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالمياه، كما يشير التقرير، لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبحت ركيزة للاستقرار، ومن يحسن إدارتها اليوم، يملك مفاتيح الصمود غدا.