طاقة الشمس والرياح بالأردن.. خط الدفاع الأول لمواجهة تداعيات أزمة الطاقة
الغد-فرح عطيات
تعد طاقتا الرياح والشمس في الأردن اليوم خط الدفاع الأول لمواجهة تداعيات التصعيد العسكري المرتبط بالحرب بين إيران وإسرائيل، في ظل اعتماد المملكة بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات.
هذا الواقع يمنح الطاقة المتجددة بعدا يتجاوز كونها خيارا بيئيا، لتصبح أداة فورية وضرورية للتخفيف من أثر الأزمات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
الأرقام المحلية تكشف أن الأردن وصل لإنتاج نحو 27 % من الكهرباء من مصادر متجددة، بقدرة مركبة تقارب 2725 ميغاواط خلال عام 2024، إلا أن هذا التقدم يترافق مع تباطؤ واضح في النمو لم يتجاوز 3 % سنوياً، وهو ما لا ينسجم مع هدف الوصول لـ50 % بحلول عام 2030.
وبسياق الحرب، تبدو هذه الفجوة أكثر خطورة، إذ تعني استمرار الاعتماد على مصادر خارجية بلحظة تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع الكلف، وكل تأخير في استثمار طاقتي الشمس والرياح يعني استمرار التعرض لصدمات الأسعار الخارجية، بينما الاستثمار فيهما يوفر استقراراً طويل الأمد وكلفة أقل على المدى التشغيلي، وفق خبراء بالشأن البيئي والطاقي.
ولا تبدو الأزمة الحالية مجرد ضغط عابر على قطاع الطاقة، بل لحظة كاشفة لضرورة إعادة تسريع التحول نحو المصادر المحلية، عبر تحديث الشبكات، وتوسيع مشاريع التوليد اللامركزي، وتخفيض الرسوم، بحسب الخبراء.
الاعتماد على مصادر محلية للطاقة
وبرأي مؤسس برنامجي ماجستير الطاقة المتجددة والبيئة والتغيرات المناخية بالجامعة الأردنية البروفيسور، أحمد السلايمة فإن الحرب الدائرة الحالية، وحتى في أي أزمات وحروب تحدث، تدفع الدول الاعتماد على المصادر المحلية للطاقة.
وبين لـ"الغد"، إن استراتيجية وزارة الطاقة والثروة المعدنية ركزت في محاورها على الاعتماد على المصادر المحلية، ولكن رافقها عدة "تحديات"، من بينها وجود "قيود" من شركات الكهرباء الوطنية في ظل عدم قدرتها على استيعاب الطاقة الإضافية من طاقي الشمس والرياح.
ولفت الى أن الأردن تمكن من تنفيذ مشاريع في الطاقة المتجددة ولكن لم تستغل "بشكل كامل"، فقد شهد القطاع "تباطؤ"، مع أن الظروف المحلية والإقليمية وحتى الدولية كانت تساعد على التوسع بصورة كبيرة في الاعتماد على مصادر طاقتي الرياح والشمس.
وأشار الى أن القوانين تغيرت في الأردن، بحيث فرضت بنودها رسوم على الطاقة المتجددة، ما أدى لـ"غياب" الحوافز المقدمة للمستثمرين، وعدم "استقرار" التشريعات، والتي "خسر" معها "فرص" الاستثمار، في وقت كان يتسم بأنه من الدول الرائدة في مجال الطاقة الشمسية.
ويعد الاستثمار بالطاقة المتجددة ضرورة "بيئية واقتصادية" على حد سواء، ولذلك ثمة عدة خطوات لا بد على الحكومة من اعتمادها لتعزيز هذه الفرص من أبرزها تحديث شبكة الكهرباء الوطنية، لتكون أكثر مرونة وذات قدرة استيعابية للطاقة المتجددة، في رأيه.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، وفق السلايمة، فإن هنالك حاجة للاستثمار بأنظمة تخزين الطاقة، علما أن مشروع سد الموجب ينفذ لهذه الغاية في مجال توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة.
وأشار الى أن البطاريات من الممكن كذلك أن تستخدم لغايات التخزين كذلك، في ظل انخفاض أسعارها، والتي تشكل عنصر أساسي في هذا الشأن، مع تخفيض الرسوم المفروضة على مشاريع الطاقة الشمسية، وخاصة على الصغيرة منها التي تستخدم في المنازل.
ودعا كذلك الى أن تقدم الحكومة دعماً لمشاريع اللامركزية، كالموجودة على أسطح المنازل، وفي الشركات، الى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر إيجاد بيئية استثمارية تحفيزية ومشجعة في هذا القطاع.
وكل هذه الخطوات، وفق تأكيداته ستسهم في خفض انبعاثات غازات الدفيئة، وتحسين جودة الهواء، والاعتماد على مصادر محلية للطاقة.
وفي شأن تأثيرات الحرب على اقتناء السيارات الكهربائية في الأردن شدد السلايمة على أن المملكة تشهد انتشاراً واسعاً لهذا النوع من المركبات، والتي تعد نسبها الأعلى على صعيد المنطقة.
وتعتبر قضية السيارات الكهربائية تأتي نتيجة توجه عالمي للمضي قدماً بها، لكن السلايمة توقع أنه وفي ظل الظروف الراهنة أن تشهد حركة الأسواق المحلية "تباطؤاً"، بسبب ارتفاع الرسوم، وضعف البنية التحتية لمحطات الشحن.
وهذه الأزمات والحروب كما اعتبر السلايمة تشكل "درس اقليمياً" يحتم على الأردن الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية، لتعزيز أمنه الطاقي، والذي كان ملاحظاً أثناء فترة الربيع العربي، الذي فرض معه إقرار استراتيجية تقليل استيراد الطاقة، ورفع نسبة ما يسمى "بسياسة الاعتماد على الذات والتوسع بطاقتي الرياح والشمس".
ولفت الى أن تقليل الاعتماد على الوقود الاحفوري أصبح ضرورة، مع إقرار سياسات طويلة الأمد تحقق الاستقلالية النسبي في موضوع الطاقة، مثل استغلال الصخر الزيتي.
ولا يجب أن ينتظر الأردن لحين انتهاء الحرب الدائرة حتى يتوسع ويسرع من استغلال طاقتي الرياح والشمس، عبر تقليل "البيروقراطية" و"تسريع" الاجراءات الحكومية بإنجاز معاملات المشاريع، تبعا له.
وتابع، لا بد من الاستثمار في أنظمة التخزين، والشبكات الذكية، ووضع سياسات واضحة للمستثمرين، وتقليل الرسوم، وتشجيع البحث العلمي والابتكار وخاصة في مجال الطاقة المتجددة.
ولأن الأردن يقع ضمن منطقة الحزام الشمسي، ويمتلك مواقع تتسم بأنها واعدة في مجال تنفيذ مشاريع طاقة الرياح، فإن ذلك يمكنه من الاعتماد على المصادر المحلية، بحسبه.
وكان حل الأردن بالمرتبة الرابعة عربيا و63 عالميا ضمن مؤشر تحوّل الطاقة 2025، إلى جانب تقدمه في المؤشر التنظيمي لمحوري "الوصول إلى الكهرباء" و"كفاءة الطاقة"، علما بأن الطاقة المتجددة تشكل ما يقارب 27 % من إنتاج الطاقة الكهربائية المولدة في البلاد.
الأردن لم يفقد الفرصة
ومن وجهة نظر رئيس جمعية استثمار الطاقة المتجددة والبيئة جمال النوايسة، فإن الأردن لم "يفقد" الفرضة بشكل كامل لاستغلال طاقتي الرياح والشمس، ولكنه لم "يستثمرها" بالشكل "الصحيح"، وفي الوقت المناسب.
ولفت لـ"الغد" الى أن الأردن كان من أوائل الدول في المنطقة التي تبنت مشاريع الطاقة المتجددة، لكن "المماطلة والتأخر" في تحديث التشريعات، و"البيروقراطية" التي تتسم بها اجراءات ربط المشاريع الجديدة بالشبكة، مع "غياب" استراتيجيات مرنة لمواكبة المتغيرات الإقليمية، شكل "عقبة" في وجه تسارع الاستثمار.
وفي ظل الأزمات الحالية، بحسبه، كان بإمكان الأردن ان يعتمد على مصادر محلية "آمنة"، "تقلل" من فاتورة الطاقة، وتعزز من "الأمن الوطني".
وأضاف أن الأزمات والحروب دائماً تُسهم في "كشف" نقاط الضعف في منظومات الطاقة، وتؤكد أن أمن الطاقة لا يتحقق إلا بالاعتماد على مصادر "محلية ومستدامة".
وأشار الى أن الأردن حقق "تقدماً ملحوظاً" خلال السنوات الماضية، حيث ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة من أقل من 1 % قبل نحو عقد إلى حوالي 27 % من مزيج الكهرباء حالياً، وبقدرة مركبة تتجاوز 2800 ميجاواط من مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ومع ذلك، ووفق تأكيداته، ما زال هذا الرقم دون مستوى الإمكانيات الكبيرة المتاحة، خاصة وأن الأردن يستهدف الوصول إلى نحو 50 % بحلول عام 2030.
وتابع قائلاً: "ما نراه اليوم عالمياً هو أن الدول التي رفعت من مساهمة اعتمادها على الطاقة المتجددة كانت أقل تأثراً بتقلبات أسعار الطاقة خلال الأزمات، الأمر الذي يجب على الأردن البناء عليه، وأن تحذو حذوها".
وشدد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد "تسريعاً حقيقياً" بالتوسع بالطاقة المتجددة، وليس فقط لكونها "خيار بيئي"، بل لأنه يعد "ضرورة استراتيجية" لتعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على "الاستيراد" في ظل عدم استقرار الأسواق العالمية.
وبرأيه فإنه لا يجب الانتظار "إطلاقاً" حتى انتهاء الحرب الدائرة لأن الطاقة المتجددة هي أداة لمواجهة "الأزمات"، وليست مشروعاً "مؤجلاً" لما بعدها.
ودعا لاتخاذ قرارات حكومية جريئة لتسهيل الاستثمار، وتحديث شبكة الكهرباء، ودعم حلول التخزين مثل البطاريات، إضافة لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، والتوسع في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في القطاعات الزراعية والصناعية.
وضرب مثالاً على رأيه بأن ألمانيا تمكنت بعد أزمة الغاز الناتجة عن الحرب في أوكرانيا أن تسرّع بشكل كبير من استثماراتها في الطاقة المتجددة، بخاصة بمجال طاقتي والرياح، ودون انتظار انتهاء الحرب، فهي اتخذت من الأزمة "دافعاً" لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، وتعزيز أمنها الطاقي.
وهذا النموذج، بحد قوله، يؤكد أن التحرك خلال الأزمات هو الخيار "الأذكى"، وأن تأجيل الاستثمار يعني زيادة الكلفة "الاقتصادية والبيئية"، وبالتالي، على الأردن أن يتعامل مع الظروف الحالية "كفرصة" لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، وليس كسبب "للتأجيل".
ويتطلب تعزيز الاستثمار بالطاقة الشمسية والرياح عدة خطوات أساسية أجملها بـإعادة فتح المجال لمشاريع التوليد اللامركزي ودعمها، خصوصاً للمنازل والمزارع، والصناعات الصغيرة.
ومن بين المقترحات التي أوردها كذلك تحديث شبكة الكهرباء لتستوعب نسب أعلى من الطاقة المتجددة، وتقديم حوافز مالية وتمويل ميسر، وبناء شراكات مثل الصكوك الخضراء.
كما لا بد من الربط بين الطاقة المتجددة وقطاعات المياه والزراعة وبناء على أسس فنية وتشريعية "مدروسة وثابته"، وعبر على سبيل المثال لا حصر الضخ بواسطة الطاقة الشمسية.
ورغم الحرب الدائرة الحالية الا أن الاعتماد على السيارات الكهربائية لن تتراجع على المدى الاستراتيجي، لكنها قد تواجه "تباطؤاً مؤقتاً" بسبب الأزمات وسلاسل التوريد، وارتفاع التكاليف.
وفي الأردن، التحدي الحقيقي لا يمكن في اقتناء المركبات نفسها، بل في البنية التحتية للشحن، وكلفة الكهرباء، والسياسات الضريبية، وفي حال ربط شحن المركبات بالطاقة الشمسية، يمكن أن تتحول إلى جزء من "الحل البيئي"، وليس "عبئاً إضافياً".
ويُشار إلى أن تقرير "إحصائيات القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة 2025" -الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة- أظهر نمو القدرة المركبة في الأردن خلال الأعوام الأخيرة.
وبحسب التقرير، بلغت القدرة الإجمالية للطاقة المتجددة في البلاد نحو 2725 ميغاواط خلال عام 2024، مقارنة بـ2638 ميغاواط في 2023، و2615 ميغاواط في عام 2022، مسجلة نموًا سنويًا بنحو 3%.
وارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء بالأردن إلى نحو 27% بنهاية 2024، في حين تستهدف الاستراتيجية الوطنية رفع النسبة إلى 50% بحلول عام 2030 وفق بيانات شركة الكهرباء الوطنية.
وبلغت القدرة التوليدية لمشروعات الطاقة الشمسية في الأردن المرتبطة بشبكة النقل نحو 992 ميغاواط خلال عام 2024.