الشركات الصغيرة والمتوسطة.. حضور دون الطموح
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
تعد الشركات الصغيرة والمتوسطة من أبرز اللبنات الأساسية في جدار الاقتصاد الوطني، لما تمثله من ثقل كبير، من حيث عددها وانتشارها، ولدورها المحوري في تشغيل الأيدي العاملة وتحريك عجلة الإنتاج. وقد ساهم هذا الدور المتنامي في ترسيخ مكانتها كركيزة رئيسية يعول عليها في تحقيق نهضة اقتصادية شاملة، وأحد الحلول العملية لمعالجة تحديات البطالة وتعزيز النمو والاستقرار الاجتماعي.
ورغم هذه الأهمية، ما يزال حضور الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني دون مستوى الإمكانات المتاحة، في ظل جملة من التحديات التشريعية والتشغيلية والتمويلية التي تحد من قدرتها على التوسع والاستدامة. ومن هنا، يطرح هذا التقرير تساؤلات جوهرية حول السبل الكفيلة بتعزيز دور هذه الشركات في الاقتصاد الوطني وآليات دعمها، من خلال سياسات فاعلة تضمن استمراريتها، وتحويلها من مشاريع صغيرة محدودة الأثر إلى محركات حقيقية للنمو الاقتصادي.
وأكد خبراء اقتصاديون أن الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تُعد مجرد منشآت اقتصادية، بل تشكل محركًا أساسيًا للنمو، ومختبرًا للابتكار، وجسرًا للانتقال نحو الاقتصاد الرقمي والأخضر، فضلًا عن مساهمتها المباشرة في رفع الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتنمية القيمة المضافة المحلية.
واعتبر هؤلاء الخبراء في تصريحات صحفية، أن قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة يمتلك القدرة على أن يكون أداة فعالة للتكيف مع التحديات الاقتصادية، وتقليص الفجوة بين العرض والطلب في سوق العمل ولا سيما، بين الشباب والنساء، إضافة إلى دوره في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المحافظات.
ورغم هذا الدور المحوري، يواجه القطاع بحسب الخبراء، تحديات هيكلية عدة، أبرزها ضعف الوصول إلى التمويل، ارتفاع التكاليف التشغيلية، عدم مواءمة المهارات مع متطلبات سوق العمل، إلى جانب التعقيدات القانونية والإجرائية التي تعيق توسع هذه الشركات واستدامتها.
وفي ضوء هذه المعطيات، شدد الخبراء على أن دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يعد خيارًا اقتصاديًا، بل ضرورة وطنية ملحة، تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات التي تشمل، تحسين الوصول إلى التمويل، تطوير البيئة القانونية والتنظيمية، تعزيز المهارات والابتكار وتسريع تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، بما يجعل هذا القطاع الأداة الأكثر فاعلية للنهوض بالاقتصاد الأردني خلال السنوات المقبلة.
وأشارت دراسة صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالتعاون مع منظمة "كير" العالمية العام 2022، إلى أن ما نسبته 99.5 % من شركات القطاع الخاص في الأردن تندرج ضمن فئة المشاريع المتناهية الصغر، الصغيرة والمتوسطة، منها 89.7 % مشاريع متناهية الصغر، 8.1 % مشاريع صغيرة و1.7 % مشاريع متوسطة، مقابل 0.5 % فقط شركات كبيرة، وهو ما يعكس الوزن الكبير لهذا القطاع في هيكل الاقتصاد الوطني.
كما بلغت قيمة تمويل الشركات المتناهية الصغر، الصغيرة والمتوسطة من قبل القطاع المصرفي نحو 3.4 مليار دينار خلال العام الماضي، وفق ما كشفه محافظ البنك المركزي الأردني عادل شركس خلال لقاء جمعه مؤخرا، بلجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة "إن الشركات الصغيرة والمتوسطة يمكن اعتبارها الحل الأمثل والواقعي للنهوض بالاقتصاد الأردني، نظرًا لقدرتها العالية على خلق فرص العمل، تعزيز الابتكار وتنويع القاعدة الإنتاجية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة. واعتبر أن دعم هذا القطاع يعد ضرورة اقتصادية وطنية، كونه أحد أهم مفاتيح النمو المستدام، خلق فرص العمل وتعزيز متانة الاقتصاد الأردني على المدى الطويل.
وأوضح مخامرة أن هذا القطاع يساهم في توفير نحو 70 ألف فرصة عمل سنويًا، مقابل نحو 100 ألف دخول جديد إلى سوق العمل، ما يجعله الأداة الأكثر فاعلية في تقليص فجوة البطالة ولا سيما، بين الشباب والنساء وتعزيز الاستقرار الاجتماعي". وأضاف أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تلعب دورًا متزايد الأهمية في الابتكار والتنويع الاقتصادي، خصوصًا في قطاعات التصنيع والخدمات، إلى جانب القطاعات الناشئة المرتبطة بالتحول الرقمي والانتقال الأخضر، ما يعزز قدرة الاقتصاد الأردني على التكيف مع التحولات العالمية.
وأشار، إلى أنه وفقًا لتقارير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية للعام الماضي، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأردن تعد أكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي مقارنة بنظيراتها في المنطقة، الأمر الذي يساهم في زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات، لافتًا إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي 2033، تستهدف خلق أكثر من مليون فرصة عمل، يشكل هذا القطاع ركيزتها الأساسية. كما لفت إلى أن تجارب الاقتصادات الناشئة تُظهر أن تعزيز هذا القطاع، يمكن أن يرفع معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 5.6 % سنويًا في حال توفير البيئة الداعمة له.
وبين مخامرة أن مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الأردني تصل إلى ما بين 40 و50 % من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من 60 % من إجمالي التوظيف العام الماضي، وهو ما يعكس وزنها الحقيقي في النشاط الاقتصادي الوطني. ورغم هذه الأهمية، أشار إلى أن القطاع ما يزال يواجه تحديات هيكلية، أبرزها ضعف التمويل، حيث لا يحصل سوى 28 % من هذه الشركات على قروض رسمية، إضافة إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية وعدم مواءمة المهارات مع احتياجات السوق، ما يحد القدرة على النمو والاستدامة.
وأكد أن النهوض بالشركات الصغيرة والمتوسطة يتطلب حزمة إصلاحات متكاملة تشمل، تحسين الوصول إلى التمويل من خلال توسيع نطاق التمويل الرأسمالي المغامر والقروض الميسرة، مع تركيز خاص على النساء والشباب، تطوير أدوات التمويل الأخضر والرقمي، إلى جانب تقليل البيروقراطية وتحسين بيئة الأعمال عبر تبسيط إجراءات الترخيص وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما شدد على أهمية تطوير المهارات والتعليم من خلال دمج التعليم الريادي في المناهج، والتوسع في التدريب على المهارات الرقمية والخضراء، ودعم الابتكار والتصدير بإنشاء مراكز بحث وتطوير وبرامج تنفد إلى الأسواق الدولية، مع التركيز على التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي، تسريع تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الدولية.
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن الأردن بات اليوم في أمس الحاجة إلى تشريع قانوني خاص ينظم ويدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، نظرًا للدور الحيوي الذي تؤديه في تعزيز النمو المستدام، توفير فرص العمل وخفض معدلات البطالة والفقر. وأوضح أن الحجم الكبير لهذا القطاع، الذي يشكل أكثر من 90 % من إجمالي الشركات العاملة في المملكة، ويوظف أكثر من 150 ألف عامل، إضافة إلى مساهمته التي تقترب من 30 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله ركيزة أساسية في ديمومة الاقتصاد الوطني ولا سيما، في المحافظات خارج العاصمة.
وأشار إلى أن هذه الأهمية لا يقابلها حتى الآن دعم تشريعي كافٍ، لافتًا إلى أن غياب قانون خاص ينظم هذا القطاع ويمنحه حوافز واضحة يحد قدرته على التوسع والاستمرار، رغم كونه من أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص العمل خلال فترات زمنية قصيرة. وبين أن محدودية الوعاء التمويلي المتاح لهذه الشركات وضعف رأس المال العامل، من أبرز التحديات التي تؤثر سلبًا على فرص توسعها ونموها.
ولفت، إلى أنه رغم الجهود التي يبذلها البنك المركزي الأردني بتوجيه القطاع المصرفي إلى زيادة حجم التسهيلات الائتمانية المقدمة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تجاوزت حاجز 3 مليارات دينار في العام الماضي، إلا أن حصتها من إجمالي التسهيلات المصرفية البالغة نحو 35 مليار دينار ما تزال بحدود 10 % فقط، وهو ما لا يتناسب مع حجم وأهمية هذا القطاع. وطالب بضرورة رفع حصة هذه الشركات من التسهيلات الائتمانية، وتوسيع برامج التمويل منخفض الفائدة، سواء عبر البنك المركزي أو من خلال البرامج الحكومية، بما يشمل مختلف القطاعات.
وشدد دية على أن دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لا ينبغي النظر إليه كعبء مالي، بل كاستثمار اقتصادي طويل الأجل يساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، زيادة معدلات النمو، توسيع القاعدة الإنتاجية وتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب تحركًا جادًا وسريعًا لصياغة قانون خاص وتوفير منظومة دعم متكاملة لهذا القطاع الحيوي.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش "إن الاقتصاد الأردني لا تتوفر فيه الإمكانيات الكافية لإنشاء شركات كبرى على نطاق واسع، ما يجعل الشركات الصغيرة والمتوسطة المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، ويجعل دعمها أولوية وطنية استراتيجية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز الابتكار والنمو المستدام". وأوضح أن هذه الشركات تعد المصدر الأساسي لفرص العمل الجديدة، حيث توفر نحو 50 % منها، وتساهم في دعم النمو والاستقرار من خلال تعزيز الإنتاج والاستهلاك المحليين.
وأشار عايش، إلى أن أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة تكمن في تعزيز القيمة المضافة المحلية، من خلال استخدام الموارد الوطنية، دعم سلاسل التوريد المحلية، المساهمة في دوران الدخل داخل الاقتصاد، فضلًا عن دورها في تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على قطاعات محدودة. كما لفت إلى قدرتها على تبني نماذج أعمال مبتكرة وحلول رقمية بوتيرة أسرع مقارنة بالشركات الكبرى، ما يساهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا ورفع الإنتاجية على المدى المتوسط.
وبين أن هذه الشركات تواجه تحديات متعددة، أبرزها مخاطر التمويل، التقلبات الاقتصادية، المنافسة غير العادلة، الحاجة إلى مهارات إدارية متقدمة وتقنيات مرتبطة بالتحول الرقمي، إضافة إلى المخاطر القانونية والتنظيمية. كما تعاني من تعقيدات تشريعية وتعدد الجهات الرسمية، ما يستدعي تبسيط الإجراءات القانونية، تحسين البيئة التنظيمية، توفير تمويل ميسر، تعزيز أولوية شراء منتجات وخدمات هذه الشركات، إنشاء حاضنات أعمال ذكية ورقمية، تطوير الكوادر البشرية والإدارية، تشجيع الابتكار الأخضر وتوفير منصات افتراضية للتواصل مع المستثمرين، بما يعزز قدرتها على النمو والاستدامة.