أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    07-Jan-2026

رمال السيليكا.. استغلال "خجول" لثروة وطنية ومطالب باستثمار مستدام

 خبراء يؤكدون ضياع فرص بمليارات الدنانير على خزينة الدولة

الغد-أحمد الرواشدة
العقبة- تمتلك مناطق عدة تمتد بين محافظتي معان والعقبة، احتياطيا ضخما من رمال السيليكا يقدر بعشرات مليارات الأطنان، وفق دراسات رسمية، إلا أن استغلال هذه الثروة ما يزال محدودا ويقتصر في معظمه على التصدير الخام بأسعار متدنية، رغم استخدامها في صناعات إستراتيجية متقدمة حول العالم.
 
 
ويثير هذا الواقع تساؤلات حول جدوى السياسات الاستثمارية والتعدينية المتبعة، في ظل الحاجة الملحة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة. 
ورغم هذا الثراء الطبيعي، يرى خبراء أن "هذه الثروة ما تزال تدور في فلك الاستغلال الخجول، وتواجه بيروقراطية الفرص الضائعة"، متسائلين في الوقت ذاته "إلى متى ستبقى مليارات الدنانير مدفونة تحت أقدامنا، فيما يبحث الاقتصاد الوطني عن طوق نجاة؟".
وأضافوا "أن الحديث عن رمال السيليكا في الأردن، وتحديدا في منطقة الحميمة وما حولها، هو حديث عن أمن اقتصادي وإستراتيجي لم يفعل بالشكل الذي يليق بحجم الاحتياطي الهائل"، لافتين إلى أن "الأرقام الرسمية والدراسات المعمقة التي أجرتها وزارة الطاقة والثروة المعدنية وسلطة المصادر الطبيعية، أظهرت أن الأردن يملك مخزونا يقدر بنحو 12 مليار طن من رمال السيليكا، فيما تشير دراسات حديثة إلى أن الرقم قد تجاوز 22 مليار طن، وهي كميات تجعل المملكة واحدة من أهم الخزانات الإستراتيجية لهذه المادة على مستوى العالم".
واعتبر هؤلاء الخبراء أن "المفارقة المؤلمة تكمن في أن دولة تمتلك هذا المخزون الضخم ما تزال عائداتها من هذا القطاع محدودة للغاية، مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة الأميركية، التي تتجاوز إيراداتها من السيليكا إيرادات قطاع الفوسفات بأكمله، رغم أنها الأولى عالميا في هذا المجال، ما يفتح باب التساؤل حول جدوى السياسات التعدينية المتبعة على مدار العقود الماضية".
كما أكدوا "أن الاكتفاء بتصدير السيليكا كمادة خام بأسعار تتراوح بين 7 و10 دولارات للطن الواحد، يعد بمثابة جريمة اقتصادية غير معلنة، إذ إن القيمة الحقيقية لهذه المادة لا تتحقق ببيعها خاما، بل بتحويلها إلى منتجات صناعية متقدمة"، مشددين على أنه "هنا يبرز البعد الإستراتيجي الغائب؛ إذ تدخل هذه الرمال في صناعة أكثر من 255 منتجا حيويا، بدءا من الزجاج التقليدي ورمال السباكة، وصولا إلى الصناعات فائقة التطور مثل الدارات الإلكترونية المتكاملة، الألياف البصرية، زجاج البصريات، والتطبيقات الطبية والعلمية، وهي صناعات يمكن أن تقلب الموازين الاقتصادية وتحول الجنوب الأردني إلى (وادي سيليكون) حقيقي بدلا من كونه مجرد منجم مفتوح للتصدير الرخيص".
مناطق إستراتيجية وحيوية
ولفتوا إلى أن "هذه الثروة البيضاء تتركز بنقاوة تتعدى 99 % في مناطق إستراتيجية وحيوية، تشمل الحميمة، رأس النقب، قاع الديسي، وادي السيق، الراكيا، ومنطقة الجيشية التي لا تبعد سوى 6 كيلومترات إلى الشرق من ميناء العقبة، بالإضافة إلى مناطق البتراء"، مؤكدين "أن هذا التوزيع الجغرافي هو ميزة تنافسية لوجستية قل نظيرها في العالم".
ويقع هذا الخام على مرمى حجر من ميناء التصدير الوحيد للمملكة، ويحاذي المناطق التنموية الحاضنة للاستثمارات الثقيلة كمنطقة معان التنموية ومدينة القويرة الصناعية، ويستلقي بجانب الطرق الدولية المؤدية إلى العراق والمملكة العربية السعودية.
وبحسب ما ذكر لـ"الغد" مساعد رئيس جامعة الطفيلة التقنية لشؤون البحث والتطوير والصناعة الدكتور رياض علي الدويري، فإن "منطقة الحميمية في رأس النقب تمتلك رواسب استثنائية من الرمل الزجاجي عالي النقاء، حيث تصل نسبة السيليكا إلى 98 %، وتتميز هذه الرمال بكونها رواسب سطحية سهلة الاستغلال عبر التعدين المكشوف، مع احتوائها على شوائب أقل من الحديد والألومنيوم مقارنة بالرواسب الأخرى".
وأكد أنه "من الناحية الجيولوجية، يتواجد الرمل الزجاجي في تكوين رمل الديسي بسمك يصل إلى 300 متر، وتكوين رمل الكرنب الذي يتراوح سمكه بين 20 إلى 100 متر وهذه الخامات تنتشر في مواقع إستراتيجية عدة في جنوب الأردن، أهمها الحميمة، قاع الديسي، وادي السيق، وادي البتراء، والعقبة".
وأشار الدويري إلى "أن الميزة التنافسية الكبرى لمنطقة الحميمية تكمن في النقاء العالي، وسهولة المعالجة الفيزيائية، والقرب من البنية التحتية من طرق وموانئ، مما يجعلها مؤهلة للمنافسة العالمية"، مؤكدا أنه "وفقا للدراسات المتكررة منذ عام 1995، تقدر احتياطيات رمال السيليكا في جنوب الأردن بعشرات مليارات الأطنان، ونحن أمام ثروة طائلة قادرة على إمداد الصناعات المحلية والتصدير لعقود طويلة".
كما بين "أن هذه الاحتياطيات الضخمة تضع الأردن في موقع إستراتيجي عالمي، خصوصا مع التوجه العالمي نحو الطاقة الخضراء والبديلة التي تعتمد بشكل أساسي على عنصر السيليكون. فالمطلوب فقط هو خطة استثمار مستدامة وبنية تحتية مناسبة لتحويل هذه الثروة إلى واقع اقتصادي".
وأضاف "تستخدم رمال السيليكا الأردنية تدخل في العديد من الصناعات بعد معالجة فيزيائية بسيطة، منها: صناعة الزجاج العادي والمسطح، صناعة السباكة، المواد الكاشطة، فلاتر المياه ومعالجتها، وصناعات البناء والتطبيقات البيئية، أما المنتجات عالية النقاوة التي تصل إلى 99.9 % فيمكن استخدامها في صناعات إستراتيجية كزجاج البصريات، الألياف الضوئية، والخلايا الشمسية وهذه الصناعات تحتاج إلى تقنيات معالجة كيميائية متقدمة لم تنفذ على نطاق صناعي في الأردن بعد، لكنها تمثل فرصة واعدة للمستقبل".
غياب الدراسات المعمقة
وقال الدويري "للأسف، لا توجد حتى الآن دراسات علمية معمقة حول إمكانية استخدام الرمل الزجاجي الأردني في الصناعات المتطورة، لا سيما صناعة الخلايا الشمسية، لكن بناء على دراساتي، يمكن بالتأكيد تطوير منتج عالي الجودة من هذه الخامات يلبي متطلبات الصناعات العالمية"، مؤكدا "أن التحديات التقنية محدودة نسبيا، فرمال السيليكا تستخرج حاليا للاستخدامات المحلية البسيطة كمواد البناء، وهذا أقل أنواع الاستثمار قيمة لهذه الثروة وأن التحدي الحقيقي يكمن في التكلفة الأولية للاستثمار في مصانع معالجة متقدمة، وإزالة الشوائب الدقيقة للوصول إلى درجات نقاء عالية جدا".
وأشار كذلك، إلى "أننا بحاجة إلى تقنيات فصل متقدمة كالفصل المغناطيسي والغسيل الدقيق، بالإضافة إلى كميات كبيرة من المياه والطاقة وهذه العوامل تتطلب رؤية استثمارية استراتيجية طويلة المدى"، لافتا إلى أن "موقع الحميمة في رأس النقب يمنح ميزة تنافسية استثنائية، إذ تقع المنطقة الطريق الصحراوي، خط سكة الحديد، وميناء العقبة، ما يقلل تكاليف النقل والتصدير بشكل كبير، وهذا القرب من البنية التحتية يعزز من إمكانية المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية".
وحول خطوات التطوير، بين الدويري "أن الانتقال من مرحلة الدراسات إلى الاستثمار الفعلي يتطلب منهجية علمية واضحة تبدأ من مسح جيولوجي حديث وتقييم احتياطي مفصل، دراسات مختبرية معمقة، إنشاء نماذج أولية لمعالجة السيليكا، دراسات جدوى اقتصادية مقنعة للمستثمرين، دراسة السوق المحلي والإقليمي، تشريعات واضحة ومحفزة، واستقطاب شراكات مع شركات عالمية ذات خبرة".
وبحسب الدويري، فإن "التأخر في الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يعود لمزيج من الأسباب، منها أسباب فنية، حيث نحتاج إلى تكنولوجيا ومعالجة متقدمة للوصول إلى تطبيقات عالية القيمة، وأسباب إدارية، ذلك أن هناك بطئا في تنفيذ سياسات تشجع الاستثمار الحقيقي في التعدين والمعالجة، أما استثماريا، فكثير من المستثمرين لا يفضلون قطاع التعدين، مما يؤدي إلى نقص في رأس المال والخبرة اللازمة لبناء مصانع متقدمة".
وأوصى بـ"إجراءات عاجلة لا سيما تسريع إعداد خارطة جيولوجية حديثة وتقييم احتياطي دقيق، إعداد دراسات جدوى اقتصادية جاذبة للمستثمرين، خلق حوافز استثمارية وجذب شركاء دوليين متخصصين في تقنيات المعالجة العالية، تطوير البنية التحتية للطاقة والمياه حول مواقع العمل، دعم الأبحاث العلمية على دراسات السيليكا عالية النقاء، ووضع خطة صناعية وطنية شاملة لنقل هذه الثروة إلى مراحل تصنيع عالية القيمة".
خصائص جيولوجية استثنائية
من جانبها، تشير أستاذ الجيولوجيا التطبيقية (الصخور الرسوبية) الدكتورة بيتي السقرات إلى "أن أهمية رمال السيليكا في الأردن لا تقتصر على البعد المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل الإقليم والأسواق العالمية، نظرا لخصائصها الجيولوجية والنوعية الاستثنائية، إذ تعود هذه الرمال إلى تكوينات جيولوجية معروفة، وهي تكوينات تتميز بامتدادات سميكة تصل في بعض المناطق إلى أكثر من 300 متر، وتغطي مساحات جغرافية واسعة".
وبينت السقرات "أن الأهمية الجوهرية لرمال السيليكا الأردنية تكمن في درجة نقاوة السيليكا وجودتها العالية، حيث تتراوح نسبة السيليكا فيها بين 97 % و99 %، مع انخفاض كبير في نسب الشوائب التي لا تتجاوز في معظم الحالات 0.1 %، كما أن وجود أكسيد الألمنيوم وبعض المعادن الثقيلة يبقى محدودا جدا ولا يؤثر على جودتها الصناعية، ما يجعلها مثالية للصناعات الزجاجية المتقدمة".
وأضافت "يميز هذه الرمال عن غيرها في الأردن تجانس حجم الحبيبات، وعدم حاجتها إلى عمليات طحن أو تنعيم معقدة، إلى جانب خضوعها لعمليات معالجة مدروسة ترفع نقاوتها إلى أكثر من 99 %، كما أن وجودها مكشوفة على سطح الأرض يقلل الحاجة إلى عمليات حفر عميقة، ما ينعكس إيجابا على كلفة الاستثمار وسهولة الاستخراج".
أما على مستوى الاحتياطي، فتحدثت السقرات عن "أن التقديرات في مناطق معان والعقبة والديسة تشير إلى وجود أكثر من 12 مليار طن من رمال السيليكا عالية النقاء، ما يضع الأردن أمام ثروة إستراتيجية طويلة الأمد، وبالنظر إلى أن الاستهلاك المحلي لا يتجاوز نحو 22 ألف طن سنويا، وفق تقارير وزارة الطاقة، فإن هذه الكميات تكفي لتغطية الاحتياجات المحلية لعشرات الآلاف من السنين، دون احتساب التوسع الصناعي أو التصدير مستقبلا".
وقالت "تتمتع المنطقة الجيولوجية بامتدادات مفتوحة ومستقرة، ما يعزز استدامة هذا المورد الطبيعي ودوره المحتمل في دعم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، كما أن تنوع الصناعات التي يمكن أن تعتمد مباشرة على السيليكا، سواء في معان أو المناطق المجاورة، يجعلها ركيزة صناعية واعدة، تشمل صناعات الزجاج، والطاقة الشمسية، والإلكترونيات، ومواد البناء المتقدمة".
ووفق السقرات، فإن "وفرة مصادر الطاقة، خصوصا مشاريع الطاقة الشمسية المتمركزة في جنوب المملكة، إضافة إلى قرب هذه المناطق من الطريق الصحراوي، تسهم في تسهيل عمليات التصنيع والنقل، وتعزيز الجدوى الاقتصادية للاستثمار في هذا القطاع، ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة لتطوير بنية تحتية صناعية أكثر تكاملا، تشمل ربط المصانع بمحطات المعالجة، وتفعيل شبكات النقل، لا سيما السكك الحديدية، للحد من كلف النقل المرتفعة وتعظيم القيمة المضافة محليا".
ومن وجهة نظر الخبير الاقتصادي والمتخصص في شؤون الاستثمار الصناعي محمد أسعد، فإن "التعامل مع ملف رمال السيليكا بعقلية التاجر الذي يبيع الخام بأبخس الأثمان، بدلا من عقلية الصانع الذي يبتكر القيمة، هو السبب الرئيسي وراء ضياع فرص بمليارات الدنانير على الخزينة الأردنية"، مؤكدا أنه "عندما نبيع طن السيليكا الخام بـ10 دولارات، فنحن عمليا نتنازل عن 90 % من قيمته الحقيقية لصالح المصانع الأجنبية التي تعيد بيعه لنا على هيئة ألواح طاقة شمسية أو رقائق إلكترونية بآلاف الدولارات، وأن المعادلة الاقتصادية هنا مختلة تماما؛ فالقيمة المضافة لهذه الرمال لا تكمن في استخراجها، بل في تحويلها".
ودعا أسعد الى "إنشاء مجمع صناعي متكامل في معان لمعالجة السيليكا وتحويلها إلى (سيليكون معدني) أو (زجاج ذكي) كفيل برفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من نسب متواضعة إلى رقم صعب يتجاوز حاجز الـ5 % خلال سنوات قليلة"، مشيرا إلى "أن الأمر بات ملحا؛ فهذه الرمال هي نفط العصر الرقمي، والتأخر في توطين تكنولوجيا تصنيعها يعني أننا سنبقى مستهلكين للتكنولوجيا التي تصنع من رمالنا، وهذا بحد ذاته استنزاف مزدوج للعملة الصعبة ومواردنا الطبيعية".
ضرورة توطين التكنولوجيا
من جهته، يرى الخبير الدكتور هاشم الزعبي، مدير الإنتاج في شركة الشرق الأوسط للتنمية الإقليمية، والتي تعد أكبر مصدر لرمال السيليكا في الأردن "أن القضية تتجاوز مجرد التصدير، لتصل إلى ضرورة توطين التكنولوجيا"، مشيرا في تصريحات خلال جلسات حوارية متخصصة إلى "أن الشركة توصلت إلى نتائج مخبرية مشجعة جدا لرمال السيليكا الأردنية، تؤهلها للانتقال من الاستخدام التقليدي إلى الدخول كمدخل رئيسي وجديد في تقنيات الطاقة المتجددة".
وأضاف "أن الأردن يحظى بكميات كبيرة ومميزة من خام السيليكا الذي يمتاز ليس فقط بالنقاوة العالية، بل باحتوائه على أحجام حبيبية متعددة تصل إلى 16 نوعا، مما يجعله مثاليا لصناعة الحاويات الزجاجية الشفافة، الزجاج المسطح للنوافذ والسيارات، الألياف الزجاجية، مسحوق الكوارتز، الرخام الصناعي، وكربيد السيليكون"، مطالبا بـ"ضرورة إيجاد ميناء خاص بتصدير خام السيليكا، وتشديد الرقابة للتأكد من جودة ونقاوة الخام المصدر للخارج، وذلك للحفاظ على السمعة الطيبة للخام الأردني في الأسواق العالمية، وهي دعوة تعكس وجود خلل لوجستي قد يعيق التوسع في هذا القطاع إذا لم يتم تداركه فورا".
أما الدكتور في الاقتصاد والتنمية إبراهيم النعيمات، فيرى "أن البعد الاجتماعي والتنموي لمشروع استغلال السيليكا لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، فمناطق الجنوب، التي تعاني من نسب بطالة مرتفعة وحاجة ماسة للتنمية، تنظر إلى هذه الرمال كطوق نجاة، فالاستثمار الحقيقي في هذا القطاع، والذي يعتمد على الصناعات التحويلية لا الاستخراجية فقط، كفيل بتوفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لأبناء المنطقة، ورفع مستوى الدخل، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي في محافظات الجنوب التي طالما اشتكت من التهميش التنموي".
ويؤكد الناشط التنموي المهندس عبد الله الرواشدة "أن سهولة تعدين هذه الرمال بالطرق السطحية، وتوفرها بكميات ضخمة، يزيل أي عذر فني أو تقني قد تتذرع به الجهات المعنية لتبرير التأخير، فالأمر لا يحتاج إلى تقنيات حفر معقدة أو استثمارات مليارية في البنية التحتية للمناجم، بل يحتاج إلى إرادة سياسية واقتصادية لتحويل الرمل إلى ذهب".
وأضاف "بالعودة إلى لغة الأرقام التي لا تجامل، فإن الدراسات التي أجريت في الفترة ما بين 1995 و1998، والتي أكدت وجود كميات تجارية ضخمة في مناطق رأس النقب وقاع الديسي، لم يتم تحديث استغلالها بما يتوافق مع التطور التكنولوجي الهائل الذي شهده العالم في العقدين الأخيرين، فالعالم اليوم يعيش ثورة الرقائق الإلكترونية والخلايا الشمسية، وجميعها تعتمد بشكل حيوي على السيليكا عالية النقاء، والأردن يمتلك المفتاح لدخول هذا النادي العالمي، لكنه يقف على العتبة مترددا".
إلى ذلك، يطرح أستاذ جيولوجيا المياه والبيئة والاستكشاف الجيوفيزيائي الدكتور محمد الفرجات، رؤية تقوم على ما أسماه "نموذج المزيج الذكي والمتدرج"، مؤكدا "أن تحويل هذه الرمال البيضاء من مجرد خام رخيص إلى مشروع وطني إستراتيجي يتطلب نسف عقلية التعدين التقليدي لصالح عقلية التصنيع القائم على القيمة المضافة".
وأضاف الفرجات "أن النموذج الأمثل لا يمنع التصدير في مراحله الأولى لتوليد السيولة وتمويل البنية التحتية، ولكنه يشترط تزامنا صارما مع بناء قدرات تصنيع محلي تدريجي، فالأردن يمتلك المادة الخام، والموقع الجغرافي، والكفاءات، وما ينقصه هو القرار الإستراتيجي لتحويل هذه المزايا إلى سلسلة قيمة صناعية متكاملة في الزجاج التقني والطاقة الشمسية".
وحذر من "إغفال البعد البيئي والاجتماعي، ذلك أن الاستثمار المسؤول هو شرط الاستدامة، ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون إشراك المجتمعات المحلية في الجنوب عبر فرص عمل نوعية، وليس مجرد وظائف هامشية، مع ضرورة ربط الجامعات ومراكز البحث العلمي مباشرة باحتياجات هذه الصناعة لضمان توطين المعرفة لا استيرادها".
وقال الفرجات "إن ما يجري في منطقة الحميمة ومحيطها من استغلال خجول لهذه الثروة يستدعي وقفة مراجعة جادة من قبل صناع القرار، فدعوات الخبراء للتركيز على الصناعات الزجاجية والإلكترونية يجب أن تتحول إلى خطط عمل تنفيذية ملزمة، وليست مجرد توصيات في مؤتمرات وورش عمل تنتهي بانتهاء مراسمها، فالوقت ليس في صالحنا، والتكنولوجيا تتطور بسرعة مذهلة، وما هو مطلوب اليوم كخام قد يصبح غدا بحاجة إلى مواصفات مختلفة، لذا فإن استغلال الفرصة الآن هو واجب وطني لا يقبل التأجيل".
ماذا عن وزارة الطاقة؟
وعلى الجانب الرسمي، تحاول وزارة الطاقة والثروة المعدنية اللحاق بالركب عبر طرح الفرص الاستثمارية، حيث تسعى للاستفادة من احتياطي الخام عبر استقطاب الاستثمارات لترسيخ صناعة وطنية تسد الاحتياجات المحلية وتوفر العملات الصعبة.
ورغم هذه التأكيدات من الوزارة في العديد من اللقاءات الصحفية، يرى الخبراء "أن وتيرة العمل لا تتناسب مع تسارع الطلب العالمي، فبينما بدأت دول مثل مصر والسعودية خطوات متقدمة في إقامة صناعات لتثمين رمل السيليكا وتصديره كمنتج نهائي، ما يزال الأردن يراوح مكانه في مراحل التخطيط الأولي أو التصدير الخام". 
وكان وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور صالح الخرابشة، تفقد مشروع ترقية رمال السيليكا في منطقة دبة حانوت، جنوبي المملكة، مؤكدا أهمية المشروع لإعادة تقييم خام السيليكا تماشيا مع متطلبات الأسواق العالمية وحاجتها لخام السيليكا ضمن نقاوة مرتفعة لأكثر من 99.9 %، وذلك في إطار توجه الوزارة لإعادة الزخم لقطاع التعدين لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي والتوسّع في فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة للمجتمعات المحلية. 
من جهة أخرى، أكد مصدر مسؤول في الوزارة أن مشروع رمال السيليكا في منطقة دبة حانوت جنوب المملكة يعد من المشاريع الإستراتيجية التي تعول عليها الوزارة في تعزيز القيمة المضافة للثروات المعدنية الوطنية، مبينا أن أهمية المشروع تنبع من دوره في إعادة تقييم خام السيليكا وفق أعلى المعايير الفنية المعتمدة عالميا، وبما ينسجم مع متطلبات الصناعات المتقدمة التي تعتمد على خامات عالية النقاوة. 
وأكد المصدر، أن توجه الوزارة يركز على رفع جودة المنتج الوطني ليكون قادرا على المنافسة في الأسواق العالمية، وبما يسهم في فتح آفاق استثمارية جديدة، وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحقيق أثر تنموي مستدام للمجتمعات المحلية في مناطق المشروع.