الدستور - خاص
دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من الاضطراب، مع اقتراب سعر خام برنت من حاجز 100-110 دولار للبرميل، نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب إمدادات النفط والمشتقات. وقد تجاوز برنت فعلياً حاجز 100 دولار في آيلول الحالي، قبل أن يستقر قرب هذا المستوى.
المهم هنا أن ارتفاع أسعار الطاقة ليس مشكلة أردنية منفردة، بل صدمة عالمية وإقليمية. والدليل أن أسعار الديزل سجلت مستويات قياسية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، بينما تجاوز سعر الديزل في الولايات المتحدة 6 دولارات للغالون، وارتفعت العقود الأوروبية إلى أكثر من ضعف مستويات بداية العام.
وفي الأردن اتجهت الحكومة إلى سياسة التدرج في عكس كلف الطاقة العالمية محليا بحيث تتراوح الإجراءات بين الرفع الجزئي والتثبيت، بدلاً من نقل كامل الارتفاع العالمي إلى المستهلك دفعة واحدة.
إلى ذلك، قال الخبير المختص في شؤون الطاقة والنفط هاشم عقل في رده على أسئلة «الدستور»، ان سياسة التدرج التي انتهجتها الحكومة منذ بداية العام الحالي ساهمت في استيعاب ارتفاعات أسعار الطاقة العالمية،
وهذه السياسة ظهرت بوضوح في تسعيرة شهر أيلول الحالي، حيث تم تثبيت أسعار البنزين 90 عند دينار واحد للتر، والبنزين 95 عند 1.310 دينار، والديزل عند 850 فلساً، والكاز عند 550 فلساً، رغم ارتفاع متوسط الأسعار العالمية مقارنة بالشهر السابق.
وقدر أن تتجاوز الفروقات التراكمية التي تحملتها الخزينة نتيجة تثبيت أسعار المشتقات النفطية إلى نهاية شهر أيلول الحالي الـ 250 مليون دينار.
والأهم أن التثبيت لم يكن بلا كلفة؛ فقد أعلنت وزارة الطاقة أن الفروقات السعرية التراكمية التي تحملتها الخزينة نتيجة سياسة التدرج وعدم عكس الأسعار العالمية بالكامل بلغت نحو 225 مليون دينار حتى نهاية آب الماضي، شاملة دعم أسطوانة الغاز المنزلي، أي أننا نتحدث عملياً عن كلفة تقترب من ربع مليار دينار.
وأضاف عقل ما يحدث في الأردن يجب أن يُقرأ ضمن سياق عالمي. فالدول لا تتعامل جميعها بالطريقة نفسها مع ارتفاع الأسعارففي دولة الإمارات، التي تعتمد آلية شهرية مرتبطة بحركة الأسواق، رفعت في أيلول الحالي سعر البنزين 91 إلى 3.61 درهم للتر، والديزل إلى 4.30 درهم، بزيادة 13% تقريباً للديزل.
وفي سوريا أيضا ارتفع سعر الديزل 40% والبنزين 18%.
وأكد أنه على المستوى العالمي، ارتفع متوسط سعر البنزين في 175 دولة من نحو 1.43 دولار للتر في نهاية آب إلى 1.48 دولار في منتصف أيلول، بينما ارتفع متوسط الديزل من 1.54 إلى 1.62 دولار للتر.
وهذا يوضح أن الحكومات حول العالم تحاول إيجاد صيغة للتعامل مع الصدمة؛ بعضها يعكس الارتفاع مباشرة، وبعضها يؤجل جزءاً من الارتفاع إلى الموازنة العامة.
واوضح الخبير المختص في شؤون الطاقة والنفط عقل، ان هناك 129 دولة/سوقاً تبيع الديزل أغلى من الأردن (حسب بيانات 21 ايلول الحالي). وأن سعر الديزل في الأردن حالياً 0.85 دينارللتر (حوالي 1.20 دولار أمريكي للتر)، وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ نحو 1.66 دولار/لتر.
وأكد عقل ان الأردن من الدول الأرخص نسبياً في الديزل عالمياً (أقل من المتوسط بحوالي 24-27%).
واوضح ان المعادلة الأردنية دقيقة؛ فمن جهة، الرفع الكامل والفوري لأسعار المحروقات ينعكس على كلفة النقل والكهرباء والإنتاج والخدمات، وبالتالي على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار التثبيت لفترة طويلة يعني انتقال جزء متزايد من كلفة الطاقة العالمية إلى الخزينة العامة، وهو ما يفسر وصول الفروقات المتراكمة إلى نحو 225 مليون دينار حتى نهاية آب.
وإن التحدي ليس في اختيار التثبيت أو الرفع بصورة مطلقة، وإنما في إيجاد نقطة توازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطن والمحافظة على الاستقرار المالي للدولة.
وفي ظل وصول النفط إلى حدود. 104 دولار(سعر أمس السبت 9/26) وقد يتجاوز هذا السعر، فإن الأردن لا يستطيع التحكم في السعر العالمي، لكنه يستطيع التحكم في طريقة انتقال الصدمة إلى السوق المحلية ومواجهتها.
ويمكن أن تؤدي سياسة التدرج هذا الدور من خلال توزيع أثر الارتفاع على فترة زمنية أطول، مع ضرورة أن تكون هذه السياسة مؤقتة ومدروسة وقابلة للمراجعة شهرياً حتى لا تتحول تكلفة حماية المواطن إلى ضغط طويل الأمد على المالية العامة.
والرسالة الأهم أن ارتفاع أسعار المحروقات اليوم ظاهرة عالمية، لكن الفارق بين الدول يكمن في كيفية إدارة هذه الصدمة: مقدار ما يتحمله المواطن، ومقدار ما تتحمله الحكومة، ومقدار ما تتحمله الشركات والاقتصاد، والمدة التي يمكن خلالها الاستمرار بهذه المعادلة.