القلق من اقتحام الذكاء الاصطناعي وظائف المستقبل.. كيف يواجهه الشباب؟
الغد-إبراهيم المبيضين
في أروقة الجامعات وأماكن العمل، يهمس الشباب بالمخاوف ذاتها؛ فخطر انكماش دور البشر لم يعد مقتصرا على المهن اليدوية، كما كان يُشاع في بدايات عصر الأتمتة، بل امتد التهديد إلى الكثير من المهن والوظائف، فيما بات يُعرف بـ"القلق من إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر".
والمفارقة هي أن هذا الجيل هو الأكثر براعة في استخدام التكنولوجيا، لكنه الأكثر شعورا بتهديدها. وهذا التناقض يولّد نوعا جديدا من الضغط النفسي؛ الرغبة في التميز في بيئة تتغير قواعدها بين ليلة وضحاها، وشعور عارم بأن الشهادة الجامعية المعلقة على الحائط قد تصبح مجرد وثيقة للذكريات في قطاعات التقنية والبرمجة والتصميم والإعلام والتعليم والصحة وصناعة المحتوى والتحليل المالي وغيرها من المهن.
ويؤكد خبراء محليون في الشأن التقني أن الشباب يواجهون اليوم تحديا نفسيا ومهنيا جديدا يُعرف بـ"قلق وظائف الذكاء الاصطناعي"، وهو الخوف المستمر من فقدان الفرص الوظيفية لصالح الآلة. فمع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات الأتمتة المتقدمة، أصبح السؤال المطروح في أروقة الجامعات ومجالس الخريجين: هل ستختفي وظيفتي المستقبلية؟
ووفقا للخبراء، يثبت التاريخ أن الثورات التكنولوجية تعيد تشكيل سوق العمل ولا تدمره؛ فالذكاء الاصطناعي لن يستبدل البشر، بل سيستبدل البشر الذين لا يجيدون استخدامه. ولتفادي هذا القلق وتحويل الخوف إلى قوة دفع، يمكن للشباب تبني الاستراتيجيات العملية التالية: الاستثمار في "المهارات البشرية الفريدة"، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة، والذكاء العاطفي والتواصل الإنساني الفعّال، والقيادة والعمل الجماعي والمرونة في التعامل مع الأزمات.
ويرى الخبراء أن على الشباب تبني مفهوم التعلم المستمر، والتركيز على التخصصات الهجينة، مشيرين إلى أنه بدلا من النظر إلى الذكاء الاصطناعي كتهديد، يجب على الشباب اعتباره "مساعدا خارقا" يرفع من كفاءتهم. فامتلاك عقلية مرنة تحب التعلم هو السلاح الأقوى لمواجهة قلق المستقبل وتأمين مكان ريادي في سوق العمل الجديد.
ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تؤدي التحولات الكبرى في سوق العمل، بما فيها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، إلى توفير وظائف جديدة وإزاحة أخرى بحلول عام 2030، مع توقع صافي نمو عالمي في الوظائف، لكن مع تغير واسع في المهارات المطلوبة. كما يشير التقرير إلى أن نحو 40 % من المهارات المطلوبة في العمل قد تتغير.
ويقول وزير الاتصالات الأسبق، الدكتور عزام سليط: "هناك تساؤلات عديدة من شباب الجيل القادم حول ماذا يجب عليهم أن يفعلوا لكي يستعدوا لمستقبل أفضل؟".
وبيّن سليط أن الجيل القادم يعيش في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، وفي مقدمة هذا التغيير يأتي الذكاء الاصطناعي؛ لذلك لم يعد التعليم مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة، بل أصبح رحلة مستمرة طوال الحياة.
وقال: "يجب على الجيل القادم أن يذهب إلى المدارس والجامعات، ويتعلم الأساسيات بعمق، ويبني تخصصا مهنيا حقيقيا، ثم يستمر في التعلم وتطوير مهاراته بعد التخرج، فالشهادة وحدها لن تكون كافية في سوق عمل يتغير باستمرار".
وفي الوقت نفسه، يرى سليط أن على الشباب، والجميع، أن يتعلموا الذكاء الاصطناعي، ليس ليصبحوا جميعا متخصصين فيه، وإنما ليعرفوا كيف يجعلونه يعمل لخدمتهم؛ فالطبيب يستخدمه في الطب، والمهندس في التصميم، والمعلم في التعليم، ورجل الأعمال في الإدارة، والباحث في اكتشاف المعرفة، وكل إنسان في تنظيم حياته واتخاذ قراراته اليومية.
ويرى سليط أن المستقبل لن يكون بالضرورة لمن يعرف أكثر، وإنما لمن يتعلم باستمرار ويعرف كيف يستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من دون أن يفقد قدرته على التفكير والتحليل والإبداع.
واقترح سليط معادلة جديدة للنجاح، ستكون مزيجا من: تعليم جيد، وتعلم مستمر، وإتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، وقدرة الإنسان على التفكير واتخاذ القرار.
ويتوقع الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الأعمال، المهندس هاني البطش، أن يكون التأثير الرئيسي خلال السنوات المقبلة هو إعادة تشكيل الوظائف، وليس اختفاء المهن بالكامل. فالوظيفة الواحدة تتكون من مجموعة مهام؛ وقد يتولى الذكاء الاصطناعي بعض هذه المهام، بينما ينتقل الإنسان إلى مهام أكثر تعقيدا وإبداعا ومسؤولية.
ويرى البطش أن الخطر الحقيقي ليس أن "يأخذ الذكاء الاصطناعي كل الوظائف"، بل أن يتفوق الأشخاص والمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي على الأشخاص والمؤسسات التي لا تستخدمه.
وقال: "الرسالة الأهم للشباب هي عدم المراهنة على أن الذكاء الاصطناعي لن يؤثر في وظيفتك، بل الاستعداد لأن تصبح الشخص الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي ليصبح أكثر قدرة وإنتاجية".
وأوضح: "الوظائف المستقبلية لن تنقسم ببساطة إلى وظائف بشرية ووظائف للذكاء الاصطناعي، بل ستتجه بصورة متزايدة إلى نموذج الإنسان المعزز بالذكاء الاصطناعي".
ونصح البطش الشباب بعدم البحث عن وظيفة يعتقدون أنها محصنة إلى الأبد، فالتكنولوجيا تتطور، وما يبدو آمنا اليوم قد يتغير مستقبلا، واختيار وظيفة يصعب اختزالها في مجموعة أوامر متكررة. فكلما كانت الوظيفة تعتمد على حل المشكلات، والعمل الميداني، والتواصل الإنساني، والإبداع، والقيادة، واتخاذ القرار، زادت القدرة على التكيف.
وأكد أهمية تعلم الذكاء الاصطناعي مهما كان تخصص الشاب، فليس مطلوبا من الجميع أن يصبحوا مهندسي ذكاء اصطناعي.
وأضاف: "بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيحتاج معظم العاملين إلى مهارات استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي وتفسير مخرجاته، إلى جانب المهارات البشرية والإدارية، وليس بالضرورة إلى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بأنفسهم".
ودعا البطش الشباب إلى الجمع بين تخصص ومهارة رقمية؛ فالمستقبل سيكون للطبيب الذي يفهم أدوات الذكاء الاصطناعي، وللمهندس الذي يستخدم تحليل البيانات، وللمحاسب الذي يفهم الأتمتة، وللمعلم الذي يوظف التكنولوجيا بفاعلية.
وأشار إلى أن أكثر الوظائف مقاومة للذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة الأكثر تعقيدا أكاديميا، بل تلك التي يصعب نقلها بالكامل إلى بيئة رقمية؛ فالعمل في العالم الحقيقي، والمهارة اليدوية، والتعامل مع المواقف غير المتوقعة، والرعاية الإنسانية، والمسؤولية المباشرة، والحكم البشري، ستظل عوامل مهمة لفترة طويلة.
ويرى الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية، أ.د. أحمد غندور، أن الوظائف بدأت تتأثر بالذكاء الاصطناعي عالميا وفي المنطقة العربية والأردن، لكن التأثير حتى الآن يظهر في تغير المهام وطريقة العمل أكثر من الاختفاء الكامل للوظائف.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو وظيفة من كل أربع وظائف عالميا لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما يبقى تحول الوظائف أكثر احتمالا من إلغائها.
وبيّن أن المفارقة هي أن الوظائف المكتبية والمعرفية أصبحت من الأكثر تعرضا، مثل الأعمال الإدارية، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، والمحاسبة التشغيلية، والترجمة، وكتابة المحتوى، والتصميم البسيط، وبعض مهام البرمجة. وفي الأردن، تصبح المسألة أكثر حساسية بسبب ارتفاع بطالة الشباب أصلا؛ فالمخاطر لا تقتصر على أن يفقد شخص وظيفته، بل قد تحتاج المؤسسة مستقبلا إلى عدد أقل من الموظفين لإنجاز العمل نفسه، وقد تختفي بعض الوظائف التي كانت تمثل نقطة الدخول الأولى للخريجين إلى سوق العمل.
ونصح غندور الشباب بعدم البحث عن تخصص "بعيد عن الذكاء الاصطناعي"، لأن الذكاء الاصطناعي سيدخل معظم المهن، بل أن يختاروا مهنة يحتاج المجتمع فيها إلى وجودهم البشري، ثم يتعلموا استخدام الذكاء الاصطناعي داخلها.
وضرب مثلا على ذلك بالكهربائي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في التشخيص، قائلا إنه سيكون أفضل من الكهربائي الذي يرفض استخدامه، والممرض الذي يوظفه في عمله أقوى من الممرض الذي يتجاهله، وفني السيارات الذي يجمع بين المهارة الميكانيكية والسيارات الكهربائية والتشخيص الرقمي والذكاء الاصطناعي يملك فرصة أكبر من الميكانيكي التقليدي.
وأضاف: "يمكن للشاب أن يسأل نفسه سؤالا بسيطا عند اختيار مستقبله: هل يتكون عملي أساسا من الجلوس أمام شاشة وقراءة المعلومات ومعالجتها وإعادة إنتاجها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالتعرض للذكاء الاصطناعي مرتفع، أما إذا احتاج العمل إلى الحضور المادي، والمهارة العملية، والتعامل مع البشر، وحل مشكلات غير متوقعة، والحكم وتحمل المسؤولية، فاحتمال الاستبدال أقل".
وقال: "ربما نحتاج في الأردن إلى إعادة التفكير في الاعتقاد بأن الشهادة الجامعية والوظيفة المكتبية هما دائما الطريق الأكثر أمانا، فقد يصبح الفني والحرفي والممرض والمتخصص الميداني أكثر أمانا في سوق العمل الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي".