أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    26-Sep-2026

كيف يمكن أن ينخرط الأردن في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

 الغد- إبراهيم المبيضين

في الوقت الذي صنف فيه تقرير التنمية العالمي 2026 الصادر عن البنك الدولي كلا من الأردن ومصر والمغرب كمركز إقليمي بارز لتصدير الخدمات، أكد خبراء في الشأن التقني أن لدى المملكة فرصا واعدة لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في زيادة معدلات الإنتاج وتطوير الخدمات القائمة على المعرفة.
 
 
وبين الخبراء أن الأردن يستطيع أن يكرس عصر الذكاء الاصطناعي لصالحه، مدعوما بركائز إستراتيجية متينة تتمثل ببنية تحتية رقمية قوية أفضت إلى أتمتة وتحويل أكثر من 85 % من الخدمات الحكومية إلى خدمات رقمية، فضلا عن السجل الحافل للمملكة في ريادة الأعمال التقنية.
وشدد خبراء اقتصاديون وتقنيون على ضرورة تحرك الأردن بفاعلية خلال المرحلة المقبلة لمواكبة التحولات التكنولوجية، برؤية واضحة تقوم على تجاوز النظرة للذكاء الاصطناعي من مجرد استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة الحقيقية في صناعة القيمة ضمن عصر الذكاء الاصطناعي.
وأوضح الخبراء أن تحقيق هذا المستهدف يرتكز على عدة أسس، أبرزها: الاستثمار المستدام في الكفاءات البشرية وتأهيلها، وتمكين القطاع الخاص ليكون محركا رئيسا للابتكار، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية وتوسيع آفاق النمو أمام الشركات والخبرات الأردنية للمنافسة بقوة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وبدأ الأردن مسارا منظما لتبني التقنيات الحديثة بإقرار سياسة الذكاء الاصطناعي عام 2020، والتي توجت بإطلاق الإستراتيجية الوطنية وخطة تنفيذها (2023-2027) التي تشمل 68 مشروعا للتطوير والريادة والحوكمة في القطاعات الحيوية.
ويحظى هذا التوجه برعاية ملكية مباشرة من جلالة الملك عبدالله الثاني ومتابعة من سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، مدعوما بتأسيس المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل ليخدم كمنصة تشاركية توحد جهود القطاعين العام والخاص في تحويل هذه الخطط إلى مبادرات ذات أثر ملموس.
وترجمت المملكة هذه الرؤية عبر بناء تحالفات تكنولوجية واسعة، وكان آخرها توقيع مذكرة تفاهم مع شركة الذكاء الاصطناعي السعودية (HUMAIN) لتعزيز الكفاءات الأردنية وتأهيلها لتقنيات المستقبل.
ولا تقتصر المساعي الأردنية على مشاريع منفصلة، بل تمثل مسارا وطنيا متكاملا واستشرافيا يربط بين وضع السياسات، والاستثمار في الإنسان، وتحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ولدعم منظومة ريادة الأعمال الأردنية في مجال الذكاء الاصطناعي عقد الصندوق الأردني للريادة خلال شهر تموز (يوليو) الماضي مع صندوق STV السعودي الاستثماري، اتفاقية شراكة إستراتيجية، بهدف تمكين منظومة الشركات الناشئة المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ودعم نموها وتوسعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمنح هذه الشراكة ريادة الأعمال والشركات الناشئة في الأردن ميزة إستراتيجية كبرى عبر الاستفادة من دعم وخبرات "STV"، الذي يعد من أكبر منصات الاستثمار الجريء المستقلة في المنطقة، برأسمال يبلغ 100 مليون دولار (بدعم من شركة جوجل العالمية)، إذ سيركز الصندوق جهوده الاستثمارية على مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتطبيقي، مستهدفا الشركات التي تقدم حلولا برمجية وعملية مبتكرة تخدم المؤسسات والقطاعات المختلفة.
وزير الاقتصاد الرقمي والريادة م. سامي سميرات يرى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد اليوم مجرد مسألة تقنية فهو يعيد تشكيل طريقة عمل الاقتصادات، وكيفية تنافس الشركات، وكيف تقدم الحكومات خدماتها، وكيف ننظر إلى الوظائف والمهارات والنمو.
وأضاف الوزير قائلا: "من ثم، لم يعد السؤال هو: هل سنتبنى الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف نضمن أن يؤدي تبني الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الإنتاجية، وتعزيز النمو، وتوفير فرص أفضل للناس؟".
وقال سميرات: "تقرير التنمية الصادر عن البنك الدولي يقدم إطارا عمليا يقوم على ثلاث خطوات: التبني، والتكيف، والتقدم؛ أي تبني التقنيات المتاحة، وتكييفها بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية واللغات والبيانات والمؤسسات، ثم بناء قدرات أكثر تقدما بصورة تدريجية"، مشيرا إلى أن هذا النهج ينسجم بدرجة كبيرة مع المسار الذي اختاره الأردن في مرحلة مبكرة.
وأكد سميرات أن اهتمام الأردن بالذكاء الاصطناعي لم يبدأ مع الزخم العالمي الذي نشهده اليوم، بل استند إلى إدراك مبكر بأن الذكاء الاصطناعي سيصبح قوة مؤثرة في تشكيل مستقبل اقتصادنا ومجتمعنا، وقال: "في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لن تتحدد تنافسية الدول بحجم أسواقها المحلية أو مواردها الطبيعية وحدها بل ستعتمد بصورة متزايدة على جودة المواهب والكفاءات لديها، وقدرتها على التعلم والتكيف بسرعة، وقدرة شركاتها على ابتكار خدمات وحلول عالية القيمة للأسواق التي تتجاوز حدودها الوطنية".
بيد أن الوزير بين أن الفرصة لا تتحقق لمجرد أن التكنولوجيا أصبحت متاحة، فالانتقال من مجرد التبني الرقمي الأساسي إلى التكاملِ المنتجِ للذكاء الاصطناعي يتطلب منا معالجة عوائق حقيقية، بما في ذلك التكلفة، والمهارات، والوعي، والخصوصية، والأمن، والبيانات، والبنية التحتية الرقمية.
وأضاف: "ومن ثم، فإن التحدي الذي يواجهنا لا يتمثل فقط في زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في تعميق استخدامه بصورة منتجة؛ من خلال دمجه في عمليات الأعمال، وتطوير المنتجات، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات، وابتكار فرص اقتصادية جديدة، وفي صميم هذا التحول يأتي الإنسان، فالذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العديد من المهام والوظائف، إلا أن إحدى أكبر الفرص المتاحة لاقتصادات مثل اقتصادنا تكمن في تعزيز القدرات البشرية ورفع مستويات الإنتاجية، ولهذا السبب، فإن الاستثمار في المهارات ليس منفصلا عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل هو شرط أساسي لنجاحه".
وأشار الوزير إلى أن للحكومة دورا محوريا تؤديه، بوصفها ممكنا ومستخدما ومنظما مسؤولا، في حين يجب أن يظل القطاع الخاص في صميم تحويل هذه الأسس إلى منتجات واستثمارات وفرص عمل وصادرات".
وأكد خبير الذكاء الاصطناعي والميتافيرس رامي الدماطي أهمية ما جاء في تقرير التنمية في العالم 2026 - الذي حمل عنوان "وعد الذكاء الاصطناعي" الصادر عن مجموعة البنك الدولي، لأنها لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضوع تقني معزول، بل كقضية تنموية واقتصادية ومؤسسية تمس الإنتاجية، والخدمات العامة، والمهارات، والحوكمة، والقدرة على تحويل الفرص إلى أثر حقيقي.
وقال الدماطي: "من أبرز ما يلفت في التقرير أنه لا يقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لاستبدال البشر، بل كوسيلة لتعزيز قدراتهم ورفع جودة القرار والخدمة والإنتاج كما يؤكد أن الاستفادة الجادة من الذكاء الاصطناعي لا تبدأ من النماذج وحدها، بل من الأساسات: الكهرباء، والاتصال، والمهارات، والمؤسسات، والبيانات، والحوسبة، والثقة العامة".
وأضاف قائلا: "ومن النقاط الجوهرية أيضا أن الطريق ليس واحدا للجميع. التقرير يركز على منطق: Adopt, Adapt, Advance، أي: تبني الأدوات المتاحة أولا، ثم تكييفها مع السياق المحلي، ثم التقدم نحو بناء قدرات أعمق عندما تصبح الأسس جاهزة. هذه نقطة بالغة الأهمية للدول النامية، لأنها تمنع إضاعة الوقت والموارد في سباق استعراضي لا يقوم على جاهزية حقيقية".
وأشار الدماطي إلى أن التقرير يفتح مساحة مهمة للتفكير العملي: كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات العامة، ورفع إنتاجية المؤسسات، ودعم القطاعات ذات الأولوية، مع بناء حوكمة مسؤولة وقدرات تقييم حقيقية قبل التوسع، والأهم أن الأردن لا يحتاج فقط إلى المزيد من التجارب، بل إلى منهج مؤسسي يربط بين الاستخدام، والحوكمة، والمهارات، والبيانات، وقياس الأثر.
وقال: "للأردن دلالة خاصة في هذا السياق؛ فاستضافته للإطلاق الإقليمي تعكس موقعه المتقدم في قيادة الحوار حول الذكاء الاصطناعي في المنطقة. والأهم من ذلك أن الأردن لم يكن حاضرا كمكان للفعالية فقط، بل حاضرا أيضا في سياق الأسئلة التنموية والسياساتية التي يطرحها التقرير حول جاهزية الدول، ودور الحكومة، وكيفية ترجمة وعود الذكاء الاصطناعي إلى نتائج عملية".
ويرى الدماطي أن القيمة الحقيقية لهذا التقرير ليست في شعاراته، بل في الرسالة الواضحة التي يحملها وهي: الذكاء الاصطناعي لن يصنع التنمية تلقائيا، لكنه قد يسرّعها بشكل كبير عندما تتوافر السياسات الصحيحة، والمؤسسات القادرة، والحكومة التي تعرف كيف تتبنى، وتقيم، وتضبط، ثم تتوسع بحكمة.
وقال خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي م. هاني البطش: إن "المرحلة المقبلة تتطلب قفزة نوعية لتسريع الانتقال من نموذج الاقتصاد الرقمي التقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي ويتحقق هذا المستهدف عبر تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة من استيعاب الأدوات الذكية، وتأسيس حواضن وطنية متخصصة في الابتكار والتطوير التقني، فضلا عن ردم الفجوة بين المخرجات الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل الفعلي، كما يستدعي هذا التحول التوسع في تأهيل الكوادر البشرية بمجالات الأمن السيبراني وعلوم البيانات، مدعوما ببيئة تشريعية مرنة لحوكمة التقنية، وشراكات متينة مع الكيانات التكنولوجية العالمية لجذب الاستثمارات ومراكز التطوير الإقليمية".
وقال: "هذا التوجه التكنولوجي فرصة واعدة للأردن لتعظيم الصادرات الخدمية، ومضاعفة معدلات الإنتاجية، وتوليد فرص عمل نوعية تواكب المستقبل؛ مما يساهم في تحويل المملكة من دولة مستهلكة للتقنية إلى بيئة مبتكرة ومصدرة للحلول الرقمية".
وأضاف البطش قائلا: "لعل حجر الزاوية في إنجاح هذه الرؤية يكمن في تغليب الاستثمار في رأس المال البشري وتنمية المهارات قبل الاكتفاء بامتلاك الأدوات التقنية؛ فالريادة في المشهد الاقتصادي القادم لم تعد حكرا على الدول الأكبر مساحة أو الأكثر موارد، بل أصبحت من نصيب المجتمعات الأكثر مرونة وسرعة في تبني المبتكرات وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة حقيقية للنمو والتنافسية الإقليمية".