
الغد-من الترف اليوم السؤال عن أثر السياسة في الاقتصاد، والانعكاسات التي تلقي مسارات الإصلاح بظلالهاعلى حياتنا ومعاشنا، في خضم كل تلك اللجة الدولية والإقليمية والمحلية والتحولات التي ترافقها.من الواضح في تقديري أن الإصلاح في البلاد قد مني بالكثير من التشوهات، وهو حتما لا يسير على طريق واضحة. كما أن المطبات التي اعترضت المسار كثيرة، وجلها من صنع المؤسسات الرسمية، لتجد من يسأل اليوم، وبعد 16 شهرا من الاحتجاجات، عن الإرادة والرؤية والنية للإصلاح. وثمة من يرى أن شراء الوقت هو السمة الأبرز التي انطوى عليها مشهد التجريب المستمر محليا، رغم أن دولة مثل المغرب تمكنت خلال خُمس الوقت الذي أمضيناه في استجداء الإصلاح، من تحقيق انتخابات وتسليم الحكومة للحزب الأكبر، لترتاح البلاد.لقد أخفقنا في أسئلة كثيرة، وفي فهم الدرس من آخرين مضوا بكل ثقة نحو ديناميكية جديدة في الحكم. ولعل التمترس حول ذات الأدوات البالية التي لا تقيم وزنا للشعب، وتحاول أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، سيكون سببا في المزيد من الإخفاق الاقتصادي، في الوقت الذي تتأهب فيه الدولة لمواجهة ظروف اقتصادية أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها خطرة؛ فلا الولاية العامة تحققت، ولا البرلمان قدم إضافة لخدمة الإصلاح المفقود، ولا التجريب المديد وتغيير الحكومات شكل فارقا، ولا الأمن تنحى لصالح الساسة، ولا الرقابة قفزت إلى المستوى المرغوب؛ بل على العكس، أقفل مجلس النواب ملفات فساد بمليارات الدنانير!وإذا سلمنا بأن المقبل من الأيام والأسابيع سيكون متوترا على الصعيد الاقتصادي، فإن تجهيز البيئة الداخلية يستوجب توفير الحد الأدنى من القدرة على الفعل والمواجهة، لمجتمع ودولة يسعيان إلى تحقيق مرونة عالية في التكيف، وربما في التحمل، وما يرتبط به من تحمل أعباء خسائر الطاقة وعجز الموازنة ووقف دعم الدولة، وفقا لمتطلبات وتوصيات صندوق النقد الدولي الذي يرى في الوضع الاقتصادي الأردني خطرا داهما لا يمكن السكوت عليه، ولا يمكن أيضا الإبقاء على دور الدولة الراعية للأفراد في ظل موازنات وأوجه إنفاق مشوهة. ولا يخفى على الجميع أن تقرير الصندوق الأخير عن الأردن جاء متشائما وحادا، وفيه حسم غير مسبوق حيال سلسلة إجراءات رفع أسعار وإزالة الدعم، وعمليات جراحية أخرى يجب أن تنفذ للاقتصاد، وإلا فإن المرحلة ستحمل ما لا تحمد عقباه.والحالة هذه، كيف يمكن لمسار إصلاحي متعثر، بل ومحبط أحيانا، أن يكون عونا لأي جراحة يحتاجها الاقتصاد ليبقى على قيد الحياة؟ فالظرف السياسي والإصلاحي الإيجابي يخدم الجهد الاقتصادي، ويسهم في تمكين المسؤول والفرد، على حد سواء، من التعامل مع المشكلة بكل شفافية ووضوح، بهدف تقليص الخسارات إلى أدنى حدودها. أما العكس، فيعني بالضرورة تراكمية لفشل فوق فشل؛ فمن أخفق في السياسة ولم يعالج تشوهات المجتمع ولم يبعث برسائل لطمأنته، لن يقوى على تحقيق وضع اقتصادي جيد يمكن معه الوصول إلى معادلات توافقية تناسب المجتمع والاقتصاد وتحدياته، كما هي على الأرض وليس وفقا لرغبات صندوق النقد الذي لا يلتفت إلى التحدي الأمني في كل هذه المعادلة. وبعد الربيع العربي، ليس المهم تحقيق أفكار الصندوق النظرية، بل المطلوب الإنصات لألم الشارع ومحاولة حلحلة أزماته المتراكمة.الارتجال لا يجدي نفعا، وحتى يتحقق الاستقرار يجب البحث في شمولية مفهوم الأمن الاقتصادي. والتلكؤ الذي يشهده ملف الإصلاح، والرسائل غير المريحة التي تأتي من هذا الملف، مضافا إليها ارتفاع منسوب العنف المجتمعي، لا تساعد الدولة على المضي قدما في أي إصلاح اقتصادي كلفته ستكون كبيرة، وعدم القيام به سيحمل كلفة أيضا يجري ترحيلها على حساب الاقتصاد. ويبرز هنا التحدي الأمني باعتباره أولوية بالنسبة للدولة التي تعمل على إطفاء الحرائق حفاظا على سلامة واستقرار المجتمع والأفراد والدولة ككل.تحقيق أي إنجاز سياسي أو اجتماعي سيقود بالضرورة إلى تطوير قدرات المخططين في التعامل مع تحديات الاقتصاد، ومحاولة العبور به إلى بر الأمان، وبغير ذلك سنكون كمن يدخل ساحة الوغى بغير سلاح