الغد
واشنطن - أصبحت أوضاع الهشاشة والصراع تعيد رسم خريطة الفقر العالمي. ومع تزايد حالات عدم الاستقرار في شتى أنحاء العالم، بات الفقر المدقع يتركز على نحو متزايد في أكثر مناطق العالم هشاشة وتأثراً بالصراع.
وبحلول العام 2030، من المتوقع أن يعيش نحو 435 مليون نسمة، أي ما يقارب 60 % من فقراء العالم، في مناطق متأثرة بالصراع.
في هذا السياق، لم يعد عمل مجموعة البنك الدولي بفاعلية في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراع مجرد خيار، بل أضحى ضرورة قصوى وحجر زاوية لتحقيق رسالتها الإنمائية المتمثلة في القضاء على الفقر المدقع.
وعلى الرغم من حجم التحديات الجسيمة التي تواجهها هذه البلدان، تبرز المؤسسة الدولية للتنمية - ذراع البنك الدولي، المعنية بمساعدة البلدان منخفضة الدخل - كشريك استراتيجي لا غنى عنه.
وتعمل المؤسسة جنبا إلى جنب، مع الحكومات والشركاء الدوليين للحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، وتدعيم ركائز المؤسسات الوطنية، ومساندة الجهود الرامية إلى تعزيز القدرة على الصمود والتماسك الاجتماعي، إضافة إلى دفع عجلة التعافي الاقتصادي طويل الأجل.
قوة المشاركة
العمل الذي تقوم به المؤسسة الدولية للتنمية، هو خير برهان على أن تحقيق التقدم يظل ممكناً حتى في أكثر البيئات تحدياً.
لا تقتصر آثار الهشاشة والصراع والعنف على تفاقم الفقر فحسب، بل تمتد لتُعمّق حدة التحديات العالمية الأخرى، بدءاً من الكوارث الطبيعية وصولاً إلى الجوائح وانعدام الأمن الغذائي. وفي حين تظل التكاليف الإنسانية للصراعات فادحة، فإن تبعاتها الاقتصادية قد تستمر لأجيال.
لكن وسط هذه التحديات القاتمة، تبرز مسارات واعدة للتنمية؛ إذ يمثل توسيع نطاق الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية الأساسية - بالتوازي مع تحفيز استثمارات القطاع الخاص وخلق فرص العمل- شريان حياة حقيقياً، للمجتمعات التي تشهد نمواً متسارعاً في أعداد السكان في سن العمل.
ورغم ما تتسم به هذه الجهود من تعقيدٍ وطولِ أمد، فإنها تظل ركيزة أساسية لمساعدة البلدان على كسر حلقة الهشاشة، والمضي قدماً نحو مستقبل أكثر صموداً وأوفر أملاً.
ومع اشتداد أوضاع الهشاشة والصراع، زادت المؤسسة الدولية للتنمية حجم مشاركتها في هذه البيئات بشكلٍ ملحوظ. وتضاعفت ارتباطات التمويل ثلاثَ مراتٍ في الفترة بين العملية السادسة عشرة (السنوات المالية 2012-2014) والعملية التاسعة عشرة لتجديد موارد المؤسسة.
وفي العملية العشرين (السنوات المالية 2021-2023)، تم توجيه أكثر من نصف الارتباطات الجديدة إلى البلدان التي تعاني من أوضاع الهشاشة والصراع والعنف.
تُوفر المؤسسة الدولية للتنمية منظومةً متكاملة من أدوات التمويل، صُممت كل منها لمعالجة بُعدٍ محدد من أبعاد الهشاشة، وتشمل: مخصصات التعامل مع أوضاع الهشاشة والصراع والعنف. ونافذة المجتمعات المحلية المضيفة واللاجئين. ونافذة التصدي للأزمات. ونافذة القطاع الخاص.
وتساهم هذه الأدوات في تعزيز قدرة المؤسسة على الاستجابة بمرونة وكفاءة للمخاطر والاحتياجات المتطورة والمتسارعة على أرض الواقع.
ويعد تقديم الدعم المستمر لهذه الجهود أمراً حيوياً لكسر حلقات الهشاشة، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، فضلاً عن تمكين الملايين من المضي قدماً نحو مستقبل أكثر صموداً وأوفر أملاً.
مخصصات التعامل مع أوضاع الهشاشة والصراع والعنف
توفر مخصصات التعامل مع أوضاع الهشاشة والصراع والعنف، موارد تمويلٍ إضافية حيوية للبلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية التي تواجه هذه التحديات، بما يضمن استمرارية العمل التنموي حتى في أكثر البيئات اضطراباً. وتتيح هذه المخصصات للبنك الدولي إمكانية تكييف المساندة التي يقدمها بما يتلاءم مع سياق كل بلد، وذلك عن طريق منع تفاقم الأوضاع، والحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية في أثناء الصراع، واغتنام الفرص المتاحة لتحقيق التعافي والتحول الإيجابي. ومن خلال التركيز على تلبية احتياجات الفئات الأكثر احتياجاً والعمل في شراكة وثيقة مع الحكومات والقطاع الخاص والشركاء في مجال العمل الإنساني، تساهم هذه المخصصات في حماية المكاسب الإنمائية من التآكل وسط الهشاشة والصراع والعنف.
تقدم غامبيا مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن يساهم بها مخصص التحول في مرحلة حرجة أو انتقالية، ضمن مخصصات أوضاع الهشاشة والصراع والعنف، في مساندة البلدان التي تغتنم الفرص للخروج من دائرة الهشاشة. فعقب انتهاء نظام استبدادي دام 22 عاماً، واجهت البلاد تحدياتٍ جسيمة شملت ضعف الحوكمة، وقصور نظام العدالة، والتردي في مستوى الخدمات العامة، فضلًا عن ارتفاع معدلات البطالة. وخلال الفترة الممتدة بين العامين 2018 و2024، أتاح مخصص التحول في مرحلة حرجة أو انتقالية زيادةً كبيرة بلغت 125 %، في قيمة مخصصات المؤسسة الدولية للتنمية المقدمة إلى غامبيا في معظم تلك السنوات، الأمر الذي مكنها من توسيع نطاق الاستثمارات في مجالات الحوكمة، ورأس المال البشري، وتعزيز النمو الشامل للجميع.
ومنذ العام 2017، تحسن أداء النمو في غامبيا ليصبح متماشياً مع أداء بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بعد أن كانت تعاني تاريخياً من ضعف الأداء.
وساهمت هذه الموارد الإضافية، في تمكين حكومة غامبيا من تسريع وتيرة الإصلاحات في مجالات الحوكمة وإدارة المالية العامة والحماية الاجتماعية، مما ساعد على استعادة المؤسسات الديمقراطية وتحسين ثقة الجمهور.
وكان صرف الأموال مشروطاً بإحراز تقدم في تحقيق الإنجازات الرئيسة المتفق عليها، مما ساهم في ترسيخ هذه الإصلاحات والحفاظ على زخمها.
وعزز هذا النهج الأسس اللازمة لتحقيق الاستقرار والمساءلة والتنمية الأكثر شمولًا، في بلد يمر بمرحلة انتقالية حرجة.
وما تزال قابلية غامبيا للتعرض لأوضاع الهشاشة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار التنمية المستدامة فيها.
ويتطلب الحفاظ على الإنجازات التي تحققت خلال فترة إتاحة مخصص التحوُّل في مرحلة حرجة أو انتقالية، استمرارَ الحصول على هذه الموارد بما يعزز الحصة المحدودة للبلاد من مخصَّصات المؤسسة الدولية للتنمية، ويمكن من مواصلة الاستثمار في إصلاحات تحولية ذات أثر مستدام.
نافذة للاجئين والمجتمعات المستضيفة لهم
تواجه البلدان التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين ضغوطاً اجتماعية واقتصادية هائلة؛ إذ يفرض التدفق المفاجئ لأشخاص يحتاجون إلى الرعاية الصحية والمأوى وفرص كسب العيش، أعباء جسيمة على الموارد المحدودة أساساً، مما يفاقم الأوضاع المحلية الهشة. وبالنسبة للحكومات، يتمثل التحدي في المواءمة بين أهداف التنمية الوطنية والاحتياجات الملحة للنازحين، لا سيما في المناطق التي تعاني فيها المجتمعات المستضيفة من نقص الخدمات.
وتساعد نافذة المجتمعات المضيفة واللاجئين الحكوماتِ على مواجهة هذه الضغوطات من خلال مساندة مسارات تنموية متوسطة وطويلة الأجل تعود بالنفع على كلٍ من اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء. ويعد نهج الاستجابات المستدامة للنزوح القسري ركيزة أساسية في هذا الإطار؛ إذ يعيد توجيه التركيز من المساعدات قصيرة الأجل إلى حلول تقودها الحكومات، ومن شأنها أن تسهم في تعزيز الاعتماد على الذات، وتنمية القدرة على الصمود على المدى الطويل.
في تشاد، أحدث نهج الاستجابات المستدامة تحولاً ملموساً في المساندة المقدمة للاجئين والمجتمعات المضيفة. فمن خلال دمج اللاجئين في الأنظمة الوطنية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية التكيفية، ساهم هذا النهج في خفض معدلات الفقر بين اللاجئين من 68 % إلى 55 %، وزيادة الاعتماد على الذات من 18 % إلى 41 % بين العامين 2018 و2022. -(البنك الدولي)