الغد
توبياس أدريان و بيير– أوليفييه غورينشا
واشنطن - ما يزال النمو الاقتصادي العالمي يبدي قدرة ملحوظة على الصمود رغم الاضطرابات التجارية الهائلة الناجمة عن الولايات المتحدة، وتصاعد مستويات عدم اليقين. وتشير أحدث توقعاتنا إلى استقرار النمو العالمي، مسجلا 3,3 % العام الحالي، مما يعكس زيادة قدرها 0,2 نقطة مئوية، مقارنة بتقديرات تشرين الأول (أكتوبر)، ويعزا معظم هذا التحسن إلى الولايات المتحدة والصين. وتجدر الإشارة، إلى أن التوقعات الحالية ظلت ثابتة عموما مقارنة بالعام الماضي، في الوقت الذي يجتاز فيه الاقتصاد العالمي الأثر الفوري لصدمة التعريفات الجمركية.
وتعكس هذه القوة المفاجئة تضافر عوامل عدة، من بينها تراجع التوترات التجارية، والمحفزات المالية التي جاءت أكبر من المتوقع، والأوضاع المالية التيسيرية، وسرعة تحرك القطاع الخاص للتخفيف من اضطرابات التجارة، وتحسن أطر السياسات، ولا سيما في اقتصادات الأسواق الصاعدة.
ويتمثل عامل رئيسي آخر يقف وراء هذه القدرة على الصمود في استمرار الطفرة الاستثمارية في قطاع تكنولوجيا المعلومات، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي. وفي حين ما يزال نشاط الصناعة التحويلية متباطئا، ارتفع نصيب استثمارات تكنولوجيا المعلومات من الناتج الاقتصادي للولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته منذ العام 2001، مما أتاح دفعة كبيرة لاستثمارات الأعمال والنشاط الاقتصادي بوجه عام. ورغم تركز هذه الطفرة التكنولوجية في الولايات المتحدة، تمتد آثارها الإيجابية عبر أنحاء العالم، ولا سيما على صادرات التكنولوجيا في آسيا.
الأوضاع المالية تدعم التوسع
تعكس طفرة الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات، تفاؤلا لدى الشركات والأسواق حيال القدرات التحويلية للابتكارات التكنولوجية الحديثة – في الأتمتة والذكاء الاصطناعي – على تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة وزيادة الأرباح. ومنذ أواخر العام 2022، وتزامنا مع طرح أولى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي واسعة الاستخدام، سجلت أسعار الأسهم ارتفاعا حادا.
وساهمت الأوضاع المالية المواتية والأرباح القوية، في ارتفاع أسعار الأسهم وتمويل الإنفاق الرأسمالي الجديد. ولكن مع تسارع وتيرة التوسع، يتزايد الاعتماد على التمويل بالدين، مما يؤدي إلى نمو مستويات الرفع المالي. وتترتب على هذا التحول مخاطر ملحوظة، إذ قد تؤدي زيادة الرفع المالي، إلى تضخم الصدمات في حال عدم تحقق العائد المرجو، أو في حال تشديد الأوضاع المالية الأوسع نطاقا، بما يؤثر سلبا على الشركات ويثير مخاوفا بشأن انتقال التداعيات إلى النظام المالي الأوسع.
وعلاوة على ذلك، قد تتأثر مستويات الربحية بالافتراضات حول جداول إهلاك معالِجات البيانات المتقدمة. فالتحديث المتكرر للمعدات، يؤدي إلى انكماش هوامش الربح، ويؤثر على الإيرادات، ويتطلب تمويلا إضافيا كبيرا عبر الاقتراض. وتؤكد هذه العوامل أهمية مراقبة تراكمات الرفع المالي ودورها المحتمل في تضخيم مواطن الضعف.
دروس من عصر "الدوت كوم"
المقارنة بطفرة "الدوت كوم"، خلال الفترة بين 1995-2000 تحمل دلالات مهمة. فعلى الرغم من أن نصيب استثمارات تكنولوجيا المعلومات من إجمالي الناتج المحلي مقارب عموما لمستوياته في تلك الفترة، كان الارتفاع الأخير أكثر تدرجا، ولم يتسارع بوتيرة ملحوظة إلا في العام الماضي. وعلاوة على ذلك، فبالرغم من أن معدل نمو التقييمات السوقية مقارنة بالناتج الاقتصادي كان مماثلا في الحالتين، تشهد الطفرة الحالية ارتفاعا أكثر تواضعا في نسب السعر إلى الأرباح نظرا لقوة الأرباح.
وبوجه عام، تشير تحليلاتنا إلى أن المبالغة المحتملة في تقييم المؤشر العام للأسهم في الولايات المتحدة لا تتجاوز نصف مستواها خلال عصر شركات الإنترنت. ومع ذلك، قد تكون قابلية النمو الاقتصادي الكلي العالمي للتأثر بإعادة تسعير أسهم التكنولوجيا، كبيرة لثلاثة أسباب.
أولا: يعزا تزايد أسعار الأسهم خلال السنوات القليلة الماضية في معظمه إلى قطاع التكنولوجيا، ولا سيما الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأصبحت هذه المجموعة المحدودة محركا رئيسيا للمؤشر. وثانيا: العديد من الشركات المحورية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي غير مدرجة حاليا في أسواق الأسهم. وقد تنشأ عن ديون تلك الشركات عواقب لم يشهدها عصر "الدوت كوم". وثالثا: فإن مستويات رأس المال السوقي أعلى بكثير في الوقت الحالي، مقارنة بالناتج، إذ ارتفعت من 132 % في العام 2001 إلى 226 % حاليا، في الولايات المتحدة. ولذلك، فحتى التصحيحات الأكثر تواضعا قد يكون لها تأثير كبير على الاستهلاك الكلي.
المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد
تقترن الطفرة التكنولوجية الحالية باحتمالات إيجابية وسلبية، قد تؤثر مستقبلا على الاقتصاد العالمي. فعلى الجانب الإيجابي، قد يحقق الذكاء الاصطناعي المكاسب المرجوة في مستويات الإنتاجية، مما سيؤدي إلى تحسن النشاط في الولايات المتحدة والعالم بنسبة 0,3 % العام الحالي، مقارنة بالسيناريو الأساسي.
وعلى الجانب السلبي، قد تخفق شركات الذكاء الاصطناعي في تحقيق أرباح تتناسب مع تقييماتها المرتفعة، مما قد يؤدي إلى تراجع معنويات المستثمرين. وللاستدلال، يشير سيناريو في عدد تشرين الأول (أكتوبر) 2025 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي - تضمن تصحيحا معتدلا في تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي مع تشديد الأوضاع المالية – إلى انخفاض النمو العالمي بنسبة 0,4 %، مقارنة بالسيناريو الأساسي. وقد تكون لذلك عواقب بعيدة المدى إذا ما صاحبه تراجعا أكثر حدة في مستويات الاستثمار الحقيقي في قطاعات التكنولوجيا، حيث تترتب عليه تكلفة باهظة نتيجة إعادة توزيع رأس المال والعمالة. وإذا ما اقترن ذلك بمكاسب أقل من المتوقع في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وتصحيحات أكثر حدة في أسواق الأسهم، فقد تتفاقم خسائر الناتج العالمي، وتتركز في المناطق كثيفة التكنولوجيا، مثل الولايات المتحدة وآسيا.
ونظرا لزيادة الملكية الأجنبية للأسهم الأميركية على مدار العقد السابق، قد يؤدي هذا التصحيح الحاد أيضا إلى خسائر كبيرة في الثروة خارج الولايات المتحدة ويشكل عبئا على الاستهلاك، لتتسع حالة الهبوط الاقتصادي على نطاق عالمي أوسع. وحتى الاقتصادات ذات الانكشاف المحدود لمخاطر التكنولوجيا، بما في ذلك الكثير من البلدان مرتفعة الدين ومنخفضة الدخل، ستتأثر بالتداعيات السلبية على الطلب الخارجي وارتفاع تكاليف الاقتراض الخارجي.
وتتجلى مخاطر هذه التطورات السلبية في بيئة يسودها تصاعد عدم اليقين الجغرافي- السياسي، وتزايد استخدام القيود التجارية وضوابط تصدير المدخلات الحيوية، إلى جانب تآكل الحيز المالي في العديد من البلدان. وقد تتداخل هذه العوامل مع إعادة تقييم نمو الإنتاجية المرتبط بالذكاء الاصطناعي وإعادة تسعير الأصول عالية المخاطر، فتزيد حدة آثارها المتبادلة.
سياسات من أجل الاستقرار والانضباط والشمول
في ظل ارتفاع تقييمات الأصول ومستويات التمويل بالدين، وتصاعد عدم اليقين، أصبحت الرقابة الاحترازية ضرورية لحماية الاستقرار المالي. وينبغي أن تكفل أجهزة الرقابة والتنظيم تنفيذ معايير قوية لضمان القروض في البنوك والمؤسسات غير المصرفية، ولا سيما المنكشفة لمخاطر قطاع التكنولوجيا. وينبغي الالتزام بالمعايير المتعارف عليها دوليا بشأن مستويات رأس المال والسيولة في البنوك. ويجب على صناع السياسات الاستعداد لتنفيذ خطط طوارئ في مواجهة مختلف أنواع المخاطر.
وعلى السياسة النقدية أن تحقق توازنا دقيقا. فاستمرار طفرة التكنولوجيا قد يدفع أسعار الفائدة الحقيقية المحايدة إلى الارتفاع، كما حدث خلال عصر "الدوت كوم"، مما سيستدعي تشديد السياسة النقدية. وسيؤدي ذلك إلى انكماش الحيز المالي، ولا سيما في البلدان غير المستفيدة من زيادة النمو الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
أما إذا تحقق سيناريو التطورات السلبية، فسيقتضي ذلك الانخفاض السريع في الطلب الكلي خفضا سريعا لأسعار الفائدة الأساسية.
والتشخيص السليم والمعايرة الملائمة للسياسة النقدية لتحقيق استقرار الأسعار، يتطلبان التزام البنوك المركزية بنطاق صلاحياتها. وتظل استقلالية البنوك المركزية عاملا أساسيا لتحقيق الاستقرار النقدي والمالي والنمو الاقتصادي، إذ تساهم في حماية مصداقية السياسة النقدية واستقرار التوقعات التضخمية حول الركيزة المستهدفة.
وعلى صعيد المالية العامة، ينبغي للحكومات تجديد الجهود لخفض الدين العام واستعادة الحيز المالي حسب الاقتضاء.
والتأثير غير المتكافئ للذكاء الاصطناعي على العمالة من الاعتبارات المهمة أيضا. ففي حين يساهم الابتكار في دفع النمو، فإنه يهدد باستبدال الوظائف وخفض الأجور في بعض شرائح القوى العاملة. وينبغي أن تركز السياسات على تخفيض الحواجز أمام اعتماد الذكاء الاصطناعي، ومساعدة العمال على الاستثمار في المهارات المناسبة*، ودعم حركية العمالة عبر برامج موجهة، والحفاظ على تنافسية الأسواق لتيسير النفاد إليها، وضمان تقاسم فوائد الابتكار على نطاق واسع.
تحقيق التوازن
أثبت النمو العالمي قدرة لافتة على الصمود في ظل الاضطرابات التجارية، وإن كان ذلك يحجب أوجه هشاشة أساسية مرتبطة بتركز الاستثمار في قطاع التكنولوجيا. ومن المرجح أن تتراكم الآثار السلبية لاضطرابات التجارة على النمو مع الوقت.
ويتيح الاستثمار القائم على الذكاء الاصطناعي إمكانات تحويلية هائلة – ولكنه يفرض أيضا مخاطر مالية وهيكلية تقتضي توخي اليقظة. ويتمثل التحدي أمام صناع السياسات والمستثمرين على حد سواء، في الموازنة بين التفاؤل والحذر، لضمان تحول الطفرة التكنولوجية الحالية إلى نمو مستدام واحتوائي، لا إلى دورة أخرى من الانتعاش والكساد. ويكتسب هذا التوازن أهمية خاصة، في بيئة يسودها تفاقم التوترات الجغرافية - السياسية وتصاعد المخاطر المهددة للأطر المؤسسية، بما يزيد صعوبة تنفيذ السياسات السليمة.
خبيران في صندوق النقد الدولي *