الغد- أتساءل عن شكل الموازنة العامة بعد ستة اشهر من الآن. إن القرارات التي نقرأ عنها في الصحف تقول أن الحكومة تراجعت عن تسعيرة الكهرباء الجديدة، وذلك لأن الحكومة أدركت على عكس ما كانت تعتقد أن التسعيرة الجديدة سوف تضر بالفقراء، وحتى وإن استهدفت آلية الرفع المواطنين أصحاب الدخول الأعلى. وقد قيل هذا الكلام سابقاً، حين بيّن بعض المحللين أن رفع أسعار الكهرباء على الذين يستخدمونها بمقادير كبيرة سيشمل الأفران، والمتاجر، وغيرها، مما سيرفع كلف الإنتاج والبيع فيها، وسوف ترحل هذه الكلفة الإضافية لجميع المستهلكين، فقرائهم وأغنيائهم. وكذلك، نجحت وساطة وزارة العمل في منع إضراب شركة توزيع الكهرباء المملوكة بالكامل للحكومة، وذلك - كما قالت الصحف - بمنح العمال المطالب التي أرادوها. وسمعنا كذلك ان المخابز علّقت إضرابها لأن الحكومة خفضت سعر الطحين بمقدار اربعة دنانير للطن الواحد. وقرأنا كذلك ان الحكومة تدرس شراء مصنع رب البندورة في العارضة. وأخبرنا عطوفة مدير عام الأمن العام أن الكلف الإضافية لحماية المسيرات السلمية قد بلغت حتى الآن (29) مليون دينار، وبمعنى آخر فإنها سوف تكلف حوالي (20) مليون دينار إضافية حتى نهاية العام الحالي إن استمرت إلى ذلك الحين. وكذلك رأينا زيادات في الرواتب التقاعدية وعد بدفعها بدءاً من نهاية هذا الشهر، وتحسينات في إعادة الهيكلة، وتثبيت لأعداد كبيرة من عمال المياومة. والحبل على الجرار كما يقولون.ولست بصدد النقاش في الجوانب الإجتماعية والإنسانية لكل هذه المساعدات. فهي في نظر الذين يطالبون بها مبررة، وفي رأي الذين يمنحونها مقبولة لأن الحكومة يجب أن تراعي ظروف الناس وألا تزيد من أعبائهم . ولكن السؤال المطروح الآن: وإلى أين تسير الموازنة"؟أنا مقتنع كل القناعة أن وزير المالية الذي ذكرنا بما جرى لليونان ليس سعيداً بكل هذا الإنفاق الإضافي الذي لم يدخل في حساباته عند إعداد الموازنة. ولربما كان سعيداً بتعديل أسعار الكهرباء لأنه كما قال كان يريد إنصاف الفقراء من الأغنياء المسرفين. ولكن بعد وقف العمل بالتسعيرة الجديدة إنقاذاً للحكومة من احتمال التصويت بعدم الثقة عليها، فإن وزير المالية لن يكون فرحاً بهذا الخبر.فلنتفق إذن أن الأمور في الوقت الراهن لا تسير باتجاه موازنة انكماشية أو تقشفية أو حتى تصحيحية، بل تسير نحو مزيد من العجز، والمديونية، والحاجة إلى مساعدات خارجية. ولقد عقد الأسبوع الماضي لقاء قمة بين الأردن والسعودية لم تحدد بموجبه نتائج واضحة حول هذه القضية، وإن كانت بعض المصادر الصحفية قد نشرت تصريحات على لسان مصادر عليمة أن السعودية وعدتنا خيراً كثيراً.والسعودية عادة إذا وعدت أوفت. فإذا أمدّتنا بـ (2) مليار دولار على سبيل المثال دعماً للموازنة فهذا خير، ويغطي جزءاً كبيرا من العجز. أما إذا كان الدعم السعودي تنموياً وموجهاً الى مشاريع التنمية، فهذا يعني أن أثرها سيحصل في السوق بعد فترة، وسيحتاج الى وقت أطول لكي ينعكس إيجابياً على الموازنة العامة. ولهذا، فإن حصيلة قرارات الحكومة هي مزيد من الإنفاق، وتثبيت للإيرادات، وزيادة في العجز، وتفاقم في الحاجة إلى السيولة لتسديد الالتزامات. وهذا كله تضخمي أكثر من الأثر المعاكس للتضخم الناتج عن عدم تقليل الدعم، والذي سيكون صفراً من حيث تأثيره على تخفيف تكاليف المعيشة. هل نحن بحاجة إلى تصور مالي جديد طالما أننا مصممون على أن نستمر فيما كنا عليه من سياسات مالية؟jawad.anani@alghad.jo