
العرب اليوم-تستفزني الأخبار التي أقرأها في الصحف عن سير جلسات محكمة جنايات عمان، في محاكمة وزير السياحة الأسبق أسامة الدباس، وما يقوله الشهود في تلك الجلسات .. ويثير غيظي ما يرد على ألسنة الوزراء الشهود)، في محاولتهم التنصّل من الموافقة على إقامة الكازينو، بأنهم كانوا يوقّعون على المحاضر والأوراق دون أن يقرأوا ما فيها، وأنهم لم يعلموا بوجود مشروع كازينو إلا من الصحف.
ومع أن هذه المحاكمة خطوة على طريق مكافحة الفساد، فإنني لا أنظر إليها بعين الرضا، إذ أشعر أن كل هذه الجهود التي تبذلها المحكمة بقضاتها ومحاميها وموظفيها، وبالأموال التي تتكلفها هذه المحاكمة، والوقت الضائع الذي يمكن أن يمتد لسنوات عديدة، لن يوصل إلى شيء يستفيد منه البلد، ماديا أو معنويا، اللهم إلا إذا كانت المحاكمة محاولة لإسكات الناس المطالبين بالإصلاح ومحاربة الفساد.
لا بد من القول بكل صراحة، إن ما أثاره مشروع إقامة كازينو في البحر الميت، هذه الأيام، وبعد الحراك الشعبي، ما كان ليثيره لو أن الظروف كانت على غير ما هي عليه الآن، وأن فكرة إقامة كازينو لا يدخله الأردنيون، كان مطلبا لقطاع كبير من المواطنين، ناهيك عن كبار المسؤولين والسياسيين والاقتصاديين، الذين رأوا فيه مصدر دخل ضخما يمكن أن يغني الأردن عن المساعدات التي يجود بها الأشقاء والغرباء بمنّة، أو لا يجودون، كما رأوا فيه مصدرا لرفد الخزينة بجزء كبير من حاجاتها للعملة الصعبة.. فإذا كان الجو العام على ذلك النحو، وهو الذي شجّع الوزير الدباس على إبداء الحماسة لهذا المشروع ومحاولة الدفع لتنفيذه، فلماذا يحاكم ذلك الوزير على مشروع كان يريد له أن يقوم ثم عُدل عنه؟ ولماذا يُستدعى كل هذا العدد من الوزراء ورؤساء الوزارات السابقين للشهادة في موضوع اجتهادي لم يكلف إلغاؤه الأردن أي مبالغ، كما بدا من سير المحاكمة؟
نحن مع القضاء في ملاحقة كل الفاسدين والمتورطين أنّى كانت مواقعهم أو مراكزهم، لكننا لا نريد للقضاء أن يبدّد جهوده على قضايا ليست ذات جدوى أو مردود، ويترك القضايا الدسمة التي كلفت البلد مليارات الدنانير، وأساءت لسمعته عربيا ودوليا، ووتّرت أجواءه، ودفعت أبناءه للخروج في مسيرات دائمة، مطالبين بالإصلاح ومحاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة.